ابن قيم الجوزية

54

الروح

قال : قال عمر بن الخطاب : عجبت لرؤيا الرجل يرى الشيء لم يخطر له على بال فيكون كأخذ بيد ، ويرى الشيء فلا يكون شيئا ، فقال علي بن أبي طالب : يا أمير المؤمنين ، يقول اللّه عز وجل أنه : يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى « 1 » قال : والأرواح يعرج بها في منامها ، فما رأت وهي في السماء فهو الحق ، فإذا ردت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها ، فما رأت من ذلك فهو الباطل ، قال : فجعل عمر يتعجب من قول علي ، قال ابن منده : هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره وروى عن أبي الدرداء . ( وذكر ) الطبراني من حديث علي بن أبي طلحة أن عبد اللّه بن عباس قال لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين أشياء أسألك عنها ؟ قال : سل عما شئت ، قال : يا أمير المؤمنين ، مم يذكر الرجل ومم ينسى ، ومم تصدق الرؤيا ومم تكذب ؟ فقال له عمر : إن على القلب طخاوة « 2 » كطخاوة القمر ، فإذا تغشت القلب نسي ابن آدم ، فإذا انجلت ذكر ما كان نسي ، وأما مم تصدق الرؤيا ومم تكذب ، فإن اللّه عز وجل يقول : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها « 3 » فمن دخل منها في ملكوت السماء فهي التي تصدق ، وما كان منها دون ملكوت السماء فهي التي تكذب . ( وروى ) ابن لهيعة عن عثمان بن نعيم الرعيني عن أبي عثمان الأصبحي عن أبي الدرداء « 4 » قال : إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها العرش ، فإن كان طاهرا أذن لها بالسجود ، وإن كان جنبا لم يؤذن لها بالسجود . ( وروى ) جعفر بن عون عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : إن الأرواح جنود مجندة تتلاقى فتشأم كما تشأم الخيل ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف .

--> ( 1 ) سورة الزمر ، الآية 42 . ( 2 ) أي غشاوة . ( 3 ) سورة الزمر ، الآية 42 . ( 4 ) هو أبو الدرداء الخزرجي الزاهد الحكيم ، أسلم بعد بدر ، وولي قضاء دمشق لمعاوية في خلافة عثمان ، توفي سنة اثنتين وثلاثين .