ابن قيم الجوزية
53
الروح
على يد ملك الرؤيا ، فمرة يكون مثلا مضروبا ، ومرة يكون نفس ما رآه الرائي فيطابق الواقع العلم لمعلومه . وهذا أقرب من القولين قبله ، ولكن الرؤيا ليست مقصورة عليه ، بل لها أسباب أخرى ، كما تقدم من ملاقاة الأرواح وأخبار بعضها بعضا ، من إلقاء الملك الذي في القلب والروغ ، ومن رؤية الروح للأشياء مكافحة بلا واسطة . ( وقد ذكر ) أبو عبد اللّه بن منده الحافظ في كتاب ( النفس والروح ) من حديث محمد بن حميد : حدثنا عبد الرحمن بن الغراء الدووسي ، حدثنا الأزهر بن عبد اللّه الأزدي ، عن محمد بن عجلان ، عن سالم بن عبد اللّه عن أبيه قال : لقي عمر بن الخطاب علي بن أبي طالب فقال له : يا أبا الحسن ربما شهدت وغبنا ، وشهدنا وغبت ؟ ثلاث أسألك عنهن عندك منهن علم ؟ فقال علي بن أبي طالب : وما هن ؟ فقال : الرجل يحب الرجل ولم ير منه خيرا ، والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شرا ، فقال علي : نعم ، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول : ( إن الأرواح جنود مجندة ، تلتقي في الهواء فتشأم « 1 » ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ) ، فقال : واحدة ، قال عمر : والرجل يحدث الحديث إذ نسيه ، فبينا هو وما نسيه إذ ذكره ، فقال : نعم ، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول : ( ما في القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر ، بينما القمر مضيء إذا تجللته سحابة فأظلم ، إذا تجلت فأضاء ، وبينما القلب يتحدث إذا تجللته سحابة فنسي ، إذ تجلت عنه فيذكر ) قال عمر : اثنتان ، قال : والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب ؟ فقال : نعم ، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول : ( ما من عبد ينام يتملى نوما إلا عرج بروحه إلى العرش ، فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق ، والذي يستيقظ دون العرش فهي التي تكذب ، فقال عمر : ثلاث كنت في طلبهن ، فالحمد للّه الذي أصبنهن قبل الموت ) . وقال بقية بن الوليد : حدثنا صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر الحضرمي
--> ( 1 ) المشأمة : الميسرة ، والشؤم ضد اليمن ، يقال : رجل مشوم ومشئوم ، ويقال : ما أشأم فلانا ، والعامة تقول ما أيشمه .