ابن قيم الجوزية
43
الروح
يأمل . قالت : قلت : مريني بأمر أتقرب به إلى اللّه تعالى ، قالت : عليك بكثرة ذكر اللّه فيوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك . ( ولما مات ) عبد العزيز بن سلمان العابد « 1 » رآه بعض أصحابه وعليه ثياب خضر ، وعلى رأسه إكليل من لؤلؤ ، فقال : كيف كنت بعدنا ، وكيف وجدت طعم الموت ، وكيف رأيت الأمر هناك ! قال : أما الموت فلا تسأل عن شدة كربه وغمه إلا أن رحمة اللّه وارث عنا كل عيب وما تلقانا إلا بفضله . ( وقال ) صالح بن بشر « 2 » : لما مات عطاء السلمي رأيته في منامي فقلت : يا أبا محمد ألست في زمرة الموتى ! قال : بلى ، قلت : فما ذا صرت إليه بعد الموت ! قال : صرت واللّه إلى خير كثير ورب غفور شكور ، قال : قلت : أما واللّه لقد كنت طويل الحزن في دار الدنيا ، فتبسم وقال : واللّه لقد أعقبني ذلك راحة طويلة وفرحا دائما ، قلت : ففي أي الدرجات أنت ! قال : مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا « 3 » . ( ولما مات ) عاصم الجحدري رآه بعض أهله في المنام فقال : أليس قد مت ! قال : بلى ، قال : فأين أنت ! قال : أنا واللّه في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي ، نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد اللّه المزني فنتلقى أخباركم ، قال : قلت : أجسادكم أم أرواحكم ! قال : هيهات بليت الأجساد وإنما تتلاقى الأرواح .
--> ( 1 ) ويكنى أبا محمد قال أبو طارق التبان : كان عبد العزيز بن سلمان إذا ذكر القيامة والموت صرخ كما تصرخ الثكلى ويصرخ الخائفون من جوانب المسجد ، قال : وربما رفع الميت والميتان من جوانب مجلسه ( انظر صفة الصفوة لابن الجوزي ) . ( 2 ) كان مملوكا لامرأة من بني مرة بن الحارث بن بني عبد القيس فأعتقته ، قال الأصمعي : شهدت صالحا المري عزى رجلا على ابنه فقال : لئن كانت مصيبتك لم تحدث لك موعظة في نفسك فمصيبتك بابنك جلل في مصيبتك في نفسك ، فإياها فابك . أسند صالح عن الحسن وابن سيرين وثابت وقتادة وبكر بن عبد اللّه في خلق كثير من التابعين . توفي سنة ست وسبعين ومائة . ( انظر صفة الصفوة لابن الجوزي ) . ( 3 ) من قوله تعالى في سورة النساء ، الآية 69 : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً .