ابن قيم الجوزية

44

الروح

( ورئي ) الفضيل بن عياض « 1 » بعد موته فقال : لم أر للعبد خيرا من ربه . ( وكان مرة الهمداني ) قد سجد حتى أكل التراب جبهته ، فلما مات رآه رجل من أهله في منامه وكأن موضع سجوده كهيئة الكوكب الدري ، فقال : ما هذا الأثر الذي أرى بوجهك ؟ قال : كسى موضع السجود بأكل التراب له نورا ، قال : قلت : فما منزلتك في الآخرة ؟ قال : خير منزل ، دار لا ينتقل عنها أهلها ولا يموتون . ( وقال ) أبو يعقوب القارئ : رأيت في منامي رجلا آدما طوالا والناس يتبعونه ، قلت : من هذا ! قالوا : أويس القرني « 2 » ، فاتبعته فقلت أوصني يرحمك اللّه ، فكلح « 3 » في وجهي ، فقلت : مسترشد فأرشدني رحمك اللّه ، فأقبل علي فقال : ابتغ رحمة اللّه عند محبته ؛ واحذر نقمته عند معصيته ، ولا تقطع رجاءك منه في خلال ذلك ، ثم ولى وتركني . ( وقال ) ابن السماك : رأيت مسعرا « 4 » في النوم فقلت : أي الأعمال وجدت

--> ( 1 ) قال ابن ناصر الدين : [ هو ] الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر أبو علي التميمي اليربوعي المروزي إمام الحرمين ، شيخ الإسلام ، قدوة الأعلام ، حدّث عنه الشافعي ويحيى القطان وغيرهما ، وكان إماما ربانيا كبير الشأن ثقة نبيلا عابدا زاهدا جليلا . توفي سنة سبع وثمانين ومائة للهجرة . ( 2 ) هو أويس بن عامر بن جرير بن مالك القرني ، وقال علقمة بن مرثد : أويس بن أنيس ، وقيل : أويس بن الحليس . عن أسير بن جابر قال : كان عمر بن الخطاب إذا أتت عليه أمداد أهل اليمن سألهم : هل فيكم أويس بن عامر ؟ حتى أتى على أويس فقال : أنت أويس بن عامر ؟ قال : نعم ، قال : من مراد ثم قرن ؟ قال : نعم ، قال : كان بفيك برص فبرأت منه إلا موضع درهم ؟ قال : نعم ، قال : لك والدة ؟ قال : نعم ، قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول : « يأتي عليكم أويس بن عامر على أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن ، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم ، وله والدة هو بها بار ، لو أقسم على اللّه عز وجل لأبره ، فإن استطعت أن يستغفر لك فالع » فاستغفر لي ؟ فاستغفر له . فقال عمر رضي اللّه عنه : أين تريد ؟ قال : الكوفة ، فقال : ألا أكتب لك إلى عاملها فيستوصي بك ؟ قال : لأن أكون في غبر الناس أحب إلي . قال : فلما كان العام المقبل حج رجل من أشراف الكوفة فوافق عمر فسأله عن أويس : كيف تركته ؟ قال : تركته رث الهيئة قليل المتاع ، فقال عمر بن الخطاب : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول ( فذكر الحديث ) فلما قدم الرجل الكوفة أتى أويسا فقال : استغفر لي ؟ فقال : أنت أحدث عهدا بسفر صالح ، ما ستغفر لي ، لقيت عمر ؟ قال : نعم ، فاستغفر له ففطن الناس له فانطلق على وجهه . ( راجع صفة الصفوة لابن الجوزي ) . ( 3 ) الكلوح : التكشر في عبوس . ( 4 ) هو مسعر بن كدام الحافظ أبو سلمة الهلالي الكوفي الأحول أحد الأعيان ، يسمى المصحف من -