ابن قيم الجوزية
362
الروح
ثمرة المتابعة للرسول والإخلاص في العمل وتجريد التوحيد ونتيجة منفعة المسلمين في دينهم ودنياهم وهو إنما يصح الاستقامة على السنّة والوقوف مع الأمر والنهي . والحال الشيطاني نسبته إما شرك أو فجور وهو ينشأ من قرب الشياطين والاتصال بهم ومشابهتهم وهذا الحال يكون لعباد الأصنام والصلبان والنيران والشيطان فإن صاحبه لما عبد الشيطان خلع عليه حالا يصطاد به ضعفاء العقول والإيمان ولا إله إلا اللّه كم هلك بهؤلاء من الخلق : لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ « 1 » فكل حال خرج صاحبه عن حكم الكتاب ما جاء به الرسول فهو شيطاني كائنا ما كان ، وقد سمعت بأحوال السحرة وعباد النار وعباد الصليب وكثير ممن ينتسب إلى الإسلام ظاهرا وهو بريء منه في الباطل له نصيب من هذا الحال بحسب موالاته للشيطان ومعاداته للرحمن ، وقد يكون الرجل صادقا ولكن يكون ملبوسا عليه بجهله فيكون حاله شيطانيا مع زهد وعبادة وإخلاص ، ولكن ليس عليه الأمر لقلة علمه بأمور الشياطين والملائكة وجهله بحقائق الإيمان ، وقد حكى هؤلاء وهؤلاء من ليس منهم بل هو متشبه صاحب مخابيل ومخاريق ووقع الناس في البلاء بسبب عدم التمييز بين هؤلاء وهؤلاء فحسبوا كل سوداء تمرة وكل بيضاء شحمة والفرقان أعز ما في العالم وهو نور يقذفه اللّه في القلب يفرق به بين الحق والباطل ويزن به حقائق الأمور خيرها وشرها وصالحان وفاسدان فمن عدم الفرقان وقع ولا بد في إشراك الشيطان فاللّه المستعان وعليه التكلان . فصل [ الفرق بين الحكم المنزل والحكم المؤول ] والفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع والحكم والمؤول الذي غايته أن يكون جائز الاتباع وأن الحكم المنزل هو الذي أنزله اللّه على رسول وحكم به بين عباده وهو حكمه الذي لا حكم له سواه . وأما الحكم المؤول فهو من أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعها ولا يكفر ولا يفسق من خالفها فإن أصحابها لم يقولوا هذا حكم اللّه ورسوله بل
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية 137 .