ابن قيم الجوزية
363
الروح
قالوا اجتهدنا برأينا فمن شاء قبله ، ولم يلزموا به الأمة بل قال أبو حنيفة هذا رأيي فمن جاءنا بخير منه قبلناه . ولو كان هو عين حكم اللّه لما ساغ لأبي يوسف ومحمد وغيرهما مخالفته فيه ، وكذلك مالك استشاره الرشيد أن يحمل الناس على ما في الموطأ فمنعه من ذلك وقال : قد تفرق أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في البلاد وصار عند كل قوم فهو عم غير ما عند الآخرين . وهذا الشافعي ينهي أصحابه عن تقليده ويوصيهم بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافه ، وهذا الإمام أحمد ينكر على من كتب فتاواه ودوّنها ويقول لا تقلدني ولا تقلد فلانا ولا فلانا وخذ من حيث أخذوا . ولو علموا رضي اللّه عنهم أن أقوالهم يجب اتباعها لحرموا على أصحابهم مخالفتهم ولما ساغ لأصحابهم أن يفتوا بخلافهم في شيء . ولما كان أحدهم يقول القول ثم يفتي بخلافه فيروى عنه في المسألة القولان والثلاثة وأكثر من ذلك فالرأي والاجتهاد أحسن أحواله أن يسوغ اتباعه ، والحكم المنزل لا يحل لمسلم أن يخالفه ولا يخرج عنه . وأما الحكم المبدل وهو الحكم بغير ما أنزل اللّه فلا يحل تنفيذه به ولا يسوغ اتباعه وصاحبه بين الكفر الفسوق والظلم . والمقصود التنبيه على بعض أحوال النفس المطمئنة واللوّامة والأمّارة وما تشترك فيه النفوس الثلاثة وما يتميز به بعضها من بعض وأفعال كل واحدة منها واختلافها ومقاصدها ونياتها وفي ذلك تنبيه على ما رواه ، وهي نفس واحدة تكون أمّارة تارة ، ولوّامة أخرى ، ومطمئنة أخرى وأكثر الناس الغالب عليهم الأمارة ، وأما المطمئنة فهي أقل النفوس البشرية عددا وأعظمها عند اللّه قدرا وهي التي يقال لها : ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي « 1 » . واللّه سبحانه وتعالى المسؤول المرجو الإجابة أن يجعل نفوسا مطمئنة إليه عاكفة بهمتها عليه ، راهبة منه ، راغبة فيما لديه ، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأن لا يجعلنا ممن أغفل قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا ولا يجعلنا من بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً « 2 » إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل .
--> ( 1 ) سورة الفجر ، الآية 29 . ( 2 ) سورة الكهف ، الآية 104 .