ابن قيم الجوزية

356

الروح

منها يستدعي بسطه كتابا كبيرا ، فالفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد المعطلين أن توحيد الرسل إثبات صفات الكمال للّه على وجه التفصيل وعبادته وحده لا شريك له فلا يجعل له ندا في قصد ولا حب ولا خوف ولا رجاء ولا لفظ ولا حلف ولا نذر بل يرفع العبد الأنداد له من قلبه وقصده ولسانه وعبادته كما أنها معدومة في نفس الأمر لا وجود لها البتة فلا يجعل لها وجودا في قلبه ولا لسانه . وأما توحيد المعطلين فنفي حقائق أسماءه وصفاته وتعطيلها ومن أمكنه منهم تعطيلها من لسانه عطلها فلا يذكرها ولا يذكر آية تتضمنها ولا حديثا يصرح بشيء منها ومن لم يمكنه تعطيل ذكرها سطا عليها بالتحريف ونفى حقيقتها وجعلها اسما فاعلا لا معنى له أو معناه من جنس الألغاز والأحاجي على أن من طرد تعطيله منهم علم أنه يلزمه في ما حرف إليه النص من المعنى نظير ما فر منه سواه فإن لزمه تمثيل أو تشبيه أو حدوث في الحقيقة لزم في المعنى الذي حمل عليه النص وأن لا يلزم في هذا فهو أولى أن لا يلزم في الحقيقة فلما علم هذا لم يمكنه إلا تعطيل الجميع فهذا طرد لأصل التعطيل والفرق أقرب منه ولكنه مناقض يتحكم بالباطل حيث أثبت اللّه بعض ما أثبته لنفسه ونفى عنه البعض الآخر واللازم الباطل فيهما واحد واللازم الحق لا يفر بينهما . والمقصود أنهم سموا هذا التعطيل توحيدا وإنما هو إلحاد في أسماء الرب تعالى وصفاته وتعطيل لحقائقها . فصل [ الفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه المعطلة ] والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه المعطلة أن الرسل نزهوه سبحانه عن النقائض والعيوب التي نزه نفسه عنها وهي المنافية لكماله وكمال ربوبيته وعظمته كالسنة والنوم والغفلة والموت واللغوب والظلم وإراداته والتسمي به والشريك والصاحبة والظهير والولد والشفيع بدون إذنه وأن يترك عباده سدى هملا وأن يكون خلقهم عبثا وأن يكون خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا لا لثواب ولا عقاب ولا أمر ولا نهي وأن يستوي بين أوليائه وأعدائه وبين الأبرار والفجار وبين الكفار والمؤمنين وأن يكون في ملكه ما لا يشاء وأن يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه وأن يكون لغيره معه من الأمر شيء وأن يفرض له غفلة أو سهو أو نسيان وأن يخلف