ابن قيم الجوزية

357

الروح

وعده أو تبدل كلماته أو يضاف إليه الشر اسما أو وصفا أو فعلا بل أسماءه كلها حسنى وصفاته كلها كمال ، وأفعاله كلها خير وحكمة ومصلحة : فهذا تنزيه الرسل لربهم . وأما المعطلون فنزهوه عما وصف به نفسه من الكمال فنزهوه عن أن يتكلم أو يكلم واحدا ، ونزهوه عن استوائه على عرشه وأن ترفع إليه الأيدي وأن يصعد إليه الكلم الطيب وأن ينزل من عنده شيء أو تعرج إليه الملائكة والروح وأن يكون فوق عباده وفوق جميع مخلوقاته عاليا عليها ، ونزهوه أن يقبض السماوات بيده والأرض بيده الأخرى وأن يمسك السماوات على إصبع والأرض على إصبع والجبال على إصبع ، والشجر على إصبع ونزهوه أن يكون له وجه أن يراه المؤمنون بأبصارهم في الجنة وأن يكلمهم ويسلم عليهم ويتجلى لهم ضاحكا وأن ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول من يستغفرني فأغفر له من يسألني فأعطيه فلا نزول عندهم ولا قول ، ونزهوه أن يفعل شيئا لشيء بل أفعاله لا لحكمة ولا لغرض مقصود ، ونزهوه أن يكون تام المشيئة نافذ الإرادة بل يشاء الشيء ويشاء عباده خلافه فيكون ما شاء العبد دون ما شاء الرب ، ولا يشاء الشيء فيكون ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون . وسموا هذا عدلا كما سموا ذلك التنزيه توحيدا ونزهوه عن أن يحب أو يحب ونزهوه عن الرأفة والرحمة والغضب والرضا نزهه آخرون عن السمع والبصر ، وآخرون عن العلم ، ونزهه آخرون عن الوجود فقالوا الذي فر إليه هؤلاء المنزهون من التشبيه والتمثيل يلزمنا في الوجود فيجب علينا أن ننزهه عنه . فهذا تنزيه الملحدين والأول تنزيه المرسلين . فصل [ الفرق بين إثبات حقائق الأسماء والصفات وبين التشبيه والتمثيل ] والفرق بين إثبات حقائق الأسماء والصفات وبين التشبيه والتمثيل ما قاله الإمام أحمد ومن وافقه من أئمة الهدى أن التشبيه والتمثيل أن تقول يد كيدي أو سمع كسمعي أو بصري كبصري ونحو ذلك . وأما إذا قلت سمع وبصر ويد ووجه واستواء لا يماثل شيئا من صفات المخلوقين بل بين الصفة والصفة من الفرق كما بين الموصوف والموصوف فأي تمثيل هاهنا وأي تشبيه لولا تلبيس الملحدين فمدار الحق الذي اتفقت عليه الرسل