ابن قيم الجوزية
348
الروح
اللّه وثقة به والتجاء إليه وتفويضا إليه ورضا بما يقضيه له لعلمه بكفايته سبحانه وحسن اختياره لعبده إذا فوض إليه مع قيامه بالأسباب المأمور بها واجتهاده في تحصيلها فقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أعظم المتوكلين وكان يلبس لامته ودرعه بل ظاهر يوم أحد بين درعين واختفى في النار ثلاثا فكان متوكلا في السبب لا على السبب . وأما العجز فهو تعطيل الأمرين أو أحدهما فإما أن يعطل السبب عجزا منه ويزعم أن ذلك توكل ولعمر اللّه أنه لعجز وتفريط وإما أن يقوم بالسبب ناظرا إليه معتمدا عليه غافلا عن المسبب معرضا عنه وإن خطر بباله لم يثبت معه ذلك الخاطر ولم يعلق قلبه به تعلقا تاما بحيث يكون قلبه مع اللّه وبدنه مع السبب فهذا توكله عجز وعجزه توكل . وهذا الوضع انقسم فيه الناس طرفين ووسطا ( فأحد الطرفين ) عطل الأسباب محافظة على التوكل . والثاني : عطل التوكل محافظة على السبب ( والوسط ) عليم أن حقيقة التوكل لا يتم إلا بالقيام بالسبب فتوكل على اللّه في نفس السبب ، وأما من عطل السبب وزعم أنه متوكل فهو مغرور ومخدوع متمن كمن عطل النكاح والتسري وتوكل في حصول الولد ، وعطل الحرث والبذور وتوكل في حصول الزرع ، وعطل الأكل والشرب وتوكل في حصول الشبع والري ، فالمتوكل نظير الرجاء . والعجز نظير المنى فحقيقة التوكل أن يتخذ العبد ربه وكيلا له قد فرض إليه كما يفرض الموكل إلى وكيله العالم بكفايته ونهضته ونصحه وأمانته وخبرته وحسن اختياره والرب سبحانه قد أمر عبده بالاحتيال وتوكل له أن يستخرج له من حليته ما يصلحه فأمره أن يحرث ويبذر ويسعى ويطلب رزقه في ضمان ذلك كما قدره سبحانه ودبره واقتضته حكمته وأمره أن لا يعلق قلبه بغيره بل يجعل رجاءه له وخوفه منه وثقته به وتوكله عليه وأخبره سبحانه الملي بالوكالة الوفي بالكفاية فالعاجز من رمى هذا كله وراء ظهره وقعد كسلان طالبا للراحة مؤثرا للبدعة يقول الرزق ويطلب صاحبه كما يطلبه أجله وسيأتيني ما قدر لي على ضعفي ولن أنال ما لم يقدر لي مع قوتي ولو أتى هربت من رزقي كما أهرب من الموت للحقني فيقال له نعم هذا كله حق وقد علمت أن الرزق مقدر فما يدريك كيف قدر لك ، بسعيك أم بسعي غيرك . وإذا