ابن قيم الجوزية
349
الروح
كان بسعيك فبأي سبب ومن أي وجه ، وإذا اختفى عليك هذا كله فمن أين علمت أن بقدر لك إتيانه عفوا بلا سعي ولا كد فكم من شيء سعيت فيه فقدر لغيرك وكم من شيء سعى فيه غيرك فقدر لك رزقا ! فإذا رأيت هذا عيانا فكيف علمت أن رزقك كله بسعي غيرك ؟ . وأيضا فهذا الذي أوردته عليك النفس يجب عليك طرده في جميع الأسباب مع مسبباتها حتى في أسباب دخول الجنة والنجاة من النار فهل تعطلها اعتمادا على التوكل أم تقوم بها مع التوكل ؟ بل لن تخلو الأرض من متوكل صير نفسه للّه وملأ قلبه من الثقة به ورجاءه وحسن الظن به فضاق قلبه مع ذلك عن مباشرة بعض الأسباب فسكن قلبه إلى اللّه واطمأن إليه ووثق به . وكان هذا من أقوى حصول أسباب رزقه فلم يعطل السبب وإنما رغب عن سبب إلى سبب أقوى منه فكان توكله أوثق الأسباب عنده ، فكان اشتغال قلبه باللّه وسكونه إليه وتضرعه إليه أحب إليه من اشتغاله بسببه يمنعه من ذلك أو من كماله فلم يتسع قلبه للأمرين فأعرض عن أحدهما إلى الآخر ولا ريب أن هذا أكمل حالا ممن امتلأ قلبه بالسبب واشتغل به عن ربه وأكمل منهما من جمع الأمرين وهي حال الرسل والصحابة ، فقد كان زكريا نجارا . وقد أمر اللّه نوحا أن يصنع السفينة ولم يكن في الصحابة من يعطل السبب اعتمادا على التوكل بل كانوا أقوم الناس بالأمرين ألا ترى أنهم بذلوا جهدهم في محاربة أعداء الدين وألسنتهم وقالوا في ذلك بحقيقة التوكل وعمروا أموالهم وأصلحوها وأعدوا لأهليهم كفايتهم من القوت اقتداء بسيد المتوكلين صلوات اللّه وسلامه عليه وآله . فصل [ الفرق بين الاحتياط والوسوسة ] والفرق بين الاحتياط والوسوسة : أن الاحتياط الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة وما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأصحابه من غير غلو ومجاوزة ولا تقصير ولا تفريط فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه اللّه ورسوله وأما الوسوسة فهي ابتداع ما لم تأت به السنة ولم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا أحد من الصحابة زاعما أنه يصل بذلك إلى تحصيل المشروع وضبطه