ابن قيم الجوزية
342
الروح
وبعد ذلك فرح آخر لا يقدر قدره . ولا يعبر عنه تلاشي هذه الأفراح كلها عنده وإنما يكون هذا لأهل السنّة المصدقين برؤية وجه ربهم تبارك وتعالى من فوقهم وسلامه عليهم وتكليمه إياهم ومحاضراته لهم . وليست هذه الفرحات إلا * لذي الترحات في دار الرزايا فشمر ما استطعت الساق واجهد * لعلك أن تفوز بذي العطايا وصم عن لذة حشيت بلاء * للذات خلصن من البلايا ودع أمنية إن لم تنلها * تعذب أو تنل كانت منايا ولا تستبط وعدا من رسول * أتى بالحق من رب البرايا فهذا الوعد أدنى من نعيم * مضى بالأمس لو وفقت رأيا فصل [ الفرق بين رقة القلب والجزع ] والفرق بين رقة القلب والجزع أن الجزع ضعف في النفس وخوف في القلب يمده شدة الطمع والحرص ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر وإلا فمتى أن المقدر كائن ولا بدّ كان الجزع عناء محضا ومصيبة ثانية قال اللّه تعالى ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ « 1 » فمتى آمن العبد بالقدر وعلم أن المصيبة مقدرة في الحاضر والغائب لم يجزع ولم يفرح . ولا ينافي هذا رقة القلب فإنها ناشئة عن صفة الرحمة التي هي كمال واللّه سبحانه إنما يرحم من عباده الرحماء . وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرق الناس قلبا وأبعدهم من الجزع ، فرقّة القلب رأفة ورحمة وجزعه مرض وضعف ، فالجزع حال قلب مريض بالدنيا قد غشيه دخان النفس الأمّارة فأخذ بأنفاسه وضيق عليه مسالك الآخرة وصار في سجن الهوى والنفس وهو سجن ضيق الأرجاء مظلم المسالك فانحصار القلب وضيقه يجزع من أدنى ما يصيبه ولا يحتمله فإذا أشرق فيه نور الإيمان واليقين بالوعد وامتلأ من محبة اللّه وإجلاله رق وصارت فيه الرأفة والرحمة فتراه رحيما رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم يرحم
--> ( 1 ) سورة الحديد ، الآية 32 و 33 .