ابن قيم الجوزية

343

الروح

النملة في جحرها والطير في وكره فضلا عن بني جنسه فهذا أقرب القلوب من اللّه قال أنس كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرحم الناس بالعيال . واللّه سبحانه إذا أراد أن يرحم عبدا أسكن في قلبه الرأفة والرحمة وإذا أراد أن يعذبه نزع من قلبه الرحمة والرأفة وأبدله بهما الغلظة والقسوة . وفي الحديث الثابت لا تنزع الرحمة إلا من شقي ، وفيه من لا يرحم لا يرحم ، وفيه ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ، وفيه أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ، وعفيف متعفف ذو عيال ، والصديق رضي اللّه عنه إنما فضل الأمة بما كان في قلبه من الرحمة العامة زيادة على الصديقية ولهذا أظهر أثرها في جميع مقاماته حتى في الأسارى يوم بدر واستقر الأمر على ما أشار به وضرب له صلى اللّه عليه وآله وسلم مثلا بعيسى وإبراهيم ، والرب سبحانه وتعالى هو الرؤوف الرحيم وأقرب الخلق إليه أعظمهم رأفة ورحمة كما أن أبعدهم منه من اتصف بضد صفاته وهذا باب لا يلجه إلا الأفراد في العالم . فصل [ الفرق بين الموجدة والحقد ] والفرق بين الموجدة والحقد : أن الوجد الإحساس بالمؤلم والعلم به وتحرك النفس في رفعه فهو كمال . وأما الحقد فهو إضمار الشر وتوقعه كل وقت فيمن وجدت عليه فلا يزايل القلب أثره . وفرق آخر وهو أن الموجودة لما ينالك منه ، والحقد لما يناله منك ، فالموجودة وجود ما نالك من أذاه ، والحقد توقع وجود ما يناله من المقابلة فالموجودة سريعة الزوال والحقد بطيء الزوال ، والحقد يجيء مع ضيق القلب واستيلاء ظلمة النفس ودخانها عليه ، بخلاف الموجدة فإنها تكون مع قوته وصلابته وقوة نوره وإحساسه . فصل [ الفرق بين المنافسة والحسد ] والفرق بين المنافسة والحسد : أن المنافسة المبادرة إلى الكمال الذي تشاهد من غيرك فتنافسه فيه حتى تلحقه أو تجاوزه فهي من شرف النفس وعلو