ابن قيم الجوزية
338
الروح
إلى اللّه والدار الآخرة وكان قبل ذلك مطمئنا إلى النفس ، والنفس أم الشهوات والدنيا فلما انكشف عنه غطاء النفس خف وارتحل عن جوارها طالبا جوار العزيز الرحيم في جنات النعيم ، ومن هنا صار كل خائف راجيا وكل راج خائفا فأطلق اسم أحدهما على الآخر فإن الراجي قلبه قريب الصفة الخائف هذا الراجي قد نحى قلبه عن مجاورة النفس والشيطان مرتحلا إلى اللّه قد رفع له من الجنة علم فشمر إليه وله مادا إليه قلبه كله . وهذا الخائف فار من جوارهما ملتجئ إلى اللّه من حبسه في سجنها في الدنيا فيحبس معهما بعد الموت ويوم القيامة فإن المرء مع قرينه في الدنيا والآخرة ، فلما سمع الوعيد ارتحل من مجاورة جار السوء في الدارين فأعطى اسم الخائف . ولما سمع الوعد امتد واستطار شوقا إليه وفرحا بالظفر به فأعطى اسم الراجي وحالاه متلازمان لا ينفك عنهما فكل راج خائف من فوات ما يرجوه كما أن كل خائف راج أمنه مما يخاف ، فلذلك تداول الاسمان عليه قال تعالى : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً « 1 » قالوا في تفسيرها لا تخافون للّه عظمة . وقد تقدم أن اللّه سبحانه طوى الرجاء إلا عن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا . وقد فسر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الإيمان بأنه ذو شعب وأعمال ظاهرة وباطنة ، وفسر الهجرة بأنها هجر ما نهى اللّه عنه ، والجهاد بأنه جهاد النفس في ذات اللّه فقال المهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه ، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات اللّه . والمقصود أن اللّه سبحانه جعل أهل الرجاء من آمن وهاجر وأخرج من سواهم من هذه الأمم . وأما الأماني فإنها رؤوس أموال المفاليس أخروها في قالب الرجاء وتلك أمانيهم وهي تصدر من قلب تزاحمت عليه وساوس النفس فأظلم من دخلها فهو يستعمل قلبه في شواتها وكلما فعل ذلك منته حسن العاقبة والنجاة وأحالته على العفو والمغفرة والفضل وإن الكريم لا يستوفي حقه ولا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفرة ويسمى ذلك رجاء وإنما هو وسواس وأماني باطلة تقذف بها النفس إلى القلب الجاهل فيستريح إليها قال تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ
--> ( 1 ) سورة نوح ، الآية 13 .