ابن قيم الجوزية

339

الروح

مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً « 1 » . فإذا ترك العبد ولاية الحق ونصرته ترك اللّه ولايته ونصرته ولم يجد له من دونه وليا ولا نصيرا ، وإذا ترك ولايته ونصرته تولته نفسه والشيطان فصارا وليين له ووكل إلى نفسه فصار انتصاره لها بدلا من نصرة اللّه ورسوله فاستبدل بولاية اللّه ولاية نفسه وشيطانه ، وبنصرته نصرة نفسه وهواه ، فلم يدع للرجاء موضعا ، فإذا قالت : لك النفس أنا في مقام الرجاء فطالبها بالبرهان وقل هذه أمنية فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ، فالكيس يعمل أعمال البر على الطمع والرجاء والأحمق العاجز يعطل أعمال البر ويتكل على الأماني التي يسميها رجاء . واللّه الموفق . فصل [ الفرق بين التحدث بنعم اللّه والفخر بها ] والفرق بين التحدث بنعم اللّه والفخر بها : إن المتحدث بالنعمة مخبر عن صفات وليها ومحض جوده وإحسانه فهو مثن عليه بإظهارها والتحدث بها شاكر له ناشرا لجميع ما أولاده مقصودة بذلك إظهار صفات اللّه ومدحه والثناء وبعث النفس على الطلب منه دون غيره وعلى محبته ورجائه فيكون راغبا إلى اللّه بإظهار نعمه ونشرها والتحدث بها . وأما الفخر بالنعم : فهو أن يستطيل بها على الناس ويريهم أنه أعز منهم وأكبر ، فيركب أعناقهم ويستفيد قلوبهم ويستميلها إليه بالتعظيم والخدمة قال النعمان بن بشير : إن للشيطان مصالي « 2 » وفخوخا ، وأن من مصاليه وفخوخه البطش بنعم اللّه والكبر على عباد اللّه ويفخر بعطية اللّه والهون في غير ذات اللّه . فصل [ الفرق بين فرح القلب وفرح النفس ] والفرق بين فرح القلب وفرح النفس ظاهر : فإن الفرح باللّه ومعرفته ومحبته وكلامه من القلب قال تعالى : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ « 3 » . فإذا كان أهل الكتاب يفرحون بالوحي فأولياء اللّه وأتباع رسوله أحق بالفرح به وقال تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ « 4 » وقال تعالى : قُلْ

--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية 123 . ( 2 ) أي شراك . ( 3 ) سورة الرعد ، الآية 26 . ( 4 ) سورة التوبة ، الآية 124 .