ابن قيم الجوزية

318

الروح

وأعجب من ذلك أنها تضاهي ما يحبه اللّه ورسوله من الصفات والأخلاق والأفعال بما يبغضه منها ، وتلبس على العبد أحد الأمرين بالآخر ، ولا يخلص من هذا إلا أرباب البصائر ، فإن الأفعال تصدر عن الإرادات وتظهر على الأركان من النفسي الأمّارة والمطمئنة ليتباين الفعلان في الباطن ، ويشتبهان في الظاهر ، ولذلك أمثلة كثيرة منها المداراة والمداهنة فالأول من المطمئنة والثاني من الأمّارة ، وخشوع الإيمان وخشوع النفاق ، وشرف النفس والنيّة والحمية والجفاء ، والتواضع والمهانة ، والقوة في أمر اللّه والعلو في الأرض والحمية للّه والغضب له والحمية للنفس والغضب لها ، والجود والسرف ، والمهابة والكبر ، والصيانة والتكبر ، والشجاعة والجرأة ، والحزم والجبن والاقتصاد والشح ، والاحتراز وسوء الظن ، والفراسة والظن ، والنصيحة والغيبة ، والهدية والرشوة ، والصبر والقسوة ، والعفو والذل ، وسلامة القلب والبله والغفلة ، والثقة ، والغرة والرجاء والتمني ، والتحدث بنعم اللّه والفخر بها ، ومرح القلب وفرح النفس . ورقة القلب والجزع ، والموجدة والحقد ، والمنافسة والحسد ، وحب الرئاسة وحب الإمامة والدعوة إلى اللّه ، والحب للّه والحب مع اللّه ، والتوكل والعجز ، والاحتياط والوسوسة ، وإلهام الملك ، وإلهام الشيطان ، والإناة والتسويف ، والاقتصاد والتقصير ، والاجتهاد والغلو والنصيحة والتأنيب والمبادرة والعجلة ، والأخبار بالحال عند الحاجة والشكوى . فالشيء الواحد تكون صورته واحدة وهو منقسم إلى محمود ومذموم كالفرح والحزن ، والأسف والغضب ، والغيرة والخيلاء ، والطمع والتجمل ، والخشوع والحسد والغبطة والجرأة والتحسر والحرص ، والتنافس وإظهار النعمة والحلف والمسكنة والصمت والزهد والورع والتخلي والعزلة ، والأنفة والحمية والغيبة ، وفي الحديث : « أن من الغيرة ما يحبها اللّه ومنها ما يكرهه ، فالغيرة التي يحبها اللّه الغيرة في ريبة ، والتي يكرهها الغيرة في غير ريبة ، وأن من الخيلاء ما يحبه اللّه ومنها ما يكرهه . فالتي يحب الخيلاء في الحرب » « 1 » ، وفي الصحيح أيضا : « لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه اللّه مالا وسلطه على هلكته في الحق ، ورجل أتاه الحكمة فهو يقتضي بها ويعلمها » « 2 » وفي الصحيح أيضا : « إن اللّه رفيق يحب الرفق ويعطي

--> ( 1 ) أخرجه النسائي والإمام أحمد . ( 2 ) أخرجه البخاري وأحمد .