ابن قيم الجوزية
319
الروح
على الرفق ما لا يعطي على العنف » « 1 » . وفيه أيضا : « من أعطى حظه من الرفق ، فقد أعطى حظه من الخير » « 2 » فالرفق شيء والتواني والكسل شيء فإن المتواني يتثاقل عن مصلحته بعد إمكانها فيتقاعد عنها ، والرفيق يتلطف في تحصيلها بحسب الإمكان مع المطاوعة وكذلك المداراة صفة مدح والمداهنة صفة ذم ، والفرق بينهما أن المداري يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل ، والمداهن يتلطف به ليقره على باطله ويتركه على هواه فالمداراة لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النفاق ، ولقد ضرب لذلك مثل مطابق وهو حال رجل به قرحة قد آلمته فجاءه الطبيب المداوي الرفيق فتعرف حالها ثم أخذ في تليينها حتى إذا نضجت أخذ في بطنها برفق وسهولة ، حتى أخرج ما فيها ثم وضع على مكانها من الدواء والمرهم ما يمنع فساده ويقطع مادته ثم تابع عليها بالمراهم التي تنبه اللحم ثم يذر عليها بعد نبات اللحم ما ينشف رطوبتها ثم يشد عليها الرباط ولم يزل يتابع ذلك حتى صلحت ، والمداهن قال لصاحبها : لا بأس عليك منها وهذه لا شيء فاسترها عن العيون بخرقة ثم آله عنها فلا تزال مدتها تقوى وتستحكم حتى عظم فسادها ، وهذا المثل أيضا مطابق كل المطابقة لحال النفس الأمّارة مع المطمئنة فتأمله ، فإذا كانت هذه حال قرحة بقدر الحمصة فكيف بسقم هاج من نفس أمّارة بالسوء ، هي معدن الشهوات ومأوى كل فسق وقد قارنها شيطان في غاية المكر والخداع يعدها ويمنيها ويسحرها بجميع أنواع السحر حتى يخيل إليها النافع ضارا والضار نافعا والحسن قبيحا والقبيح جميلا ، وهذا لعمروا اللّه من أعظم أنواع السحر ، ولهذا يقول سبحانه : فَأَنَّى تُسْحَرُونَ « 3 » والذي نسبوا إليه الرسل من كونهم مسحورين هو الذي أصابهم بعينه وهم أهله لا رسل اللّه صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ، كما أنهم نسبوهم إلى الأنبياء والرسل وأمراء الأمم بالاستعاذة من شر النفس الأمّارة وصاحبها وقرينها الشيطان إلا لأنهما أصل كل شر وقاعدته ومنعته وهما متساعدان عليه متعاونان . رضيعي لبان ثدي أم تقاسما * بألحم داج عوض لا نتفرق
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة والدارمي . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد . ( 3 ) سورة المؤمنون ، الآية 89 .