ابن قيم الجوزية
314
الروح
بالقبول والشكر والحمد للّه ورؤية أوليته في ذلك كله ازداد مددها فتقوى على محاربة الأمّارة . فمن جندها وهو سلطان عساكرها وملكها للإيمان واليقين فالجيوش الإسلامية كلها تحت لوائه ناظر إليه إن ثبت ثبتت وإن انهزم ولت على أدبارها ثم أمراء هذا الجيش ومقدمو عساكره شعب الإيمان المتعلقة بالجوارح على اختلاف أنواعها كالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصيحة الخلق والإحسان إليهم بأنواع الإحسان ، وشعبه المتعلقة بالقلب كالإخلاص والتوكل والإنابة والتوبة والمراقبة والصبر والحلم والتواضع والمسكة وامتلاء القلب من محبة اللّه ورسوله وتعظيم أوامر اللّه وحقوقه والغيرة للّه وفي اللّه والشجاعة والعفّة والصدق والشفقة والرحمة ، وملاك ذلك كله الإخلاص والصدق فلا يتعب الصادق المخلص فقد أقيم على الصراط المستقيم فيسار به وهو راقد ، ولا يتعب من حرم الصدق والإخلاص فقد قطعت عليه الطريق واستهوته الشياطين في الأرض حيران فإن شاء فليعمل وإن شاء فليترك فلا يزيده عمله من اللّه إلا بعدا . وبالجملة فما كان اللّه وباللّه فهو من جند النفس المطمئنة . وأما النفس الأمّارة فجعل الشيطان قرينها وصاحبها الذي يليها فهو بعدها ويمينها ويقذف فيها الباطل ويأمرها بالسوء ويزينه لها ويطيل في الأمل ويريها الباطل في صورة تقبلها وتستحقها ويمدها بأنواع الإمداد الباطل من الأماني الكاذبة والشهوات المهلكة ويستعين عليها بهواها وإرادتها فمنه يدخل عليها كل مكروه فما استعان على النفوس بشيء وهو أبلغ من هواها وإراداتها إليه . وقد علم ذلك إخوانه من شياطين الإنس فلا يستعينون على الصور الممنوعة منهم بشيء أبلغ من هواهم وإراداتهم فإذا أعيتهم صورة طلبوا بجهدهم ما تحبه وتهواه ثم طلبوا بجهدهم تحصيله فاصطادوا به تلك الصورة فإذا فتحت لهم النفس باب الهوى دخلوا منه فجلسوا خلال الديار فعاثوا وأفسدوا وفتكوا وسبوا وفعلوا ما يفعله العدو ببلاد عدوه إذا تحكم فيها فبدعوا معالم الإيمان والقرآن والذكر والصلاة . وخربوا المساجد وعمروا البيع والكنائس والحانات والمواخير وقصدوا إلى الملك فأسروه وسلبوه لأملاكه ونقلوه من عبادة الرحمن إلى عبادة البغايا والأوثان ، ومن عز الطاعة إلى ذل المعصية ، ومن السماع الرحماني إلى السماع الشيطاني ، ومن الاستعداد للقاء رب العالمين إلى الاستعداد للقاء إخوان