ابن قيم الجوزية
315
الروح
الشياطين ، فبينا هو يراعي حقوق اللّه وما أمر به إذ صار يرعى الخنازير ، وبينا هو منتصب لخدمة العزيز الرحيم إذ صار منتصبا لخدمة كل شيطان رجيم . والمقصود أن الملك قرين النفس المطمئنة ، والشيطان قرين الأمّارة ، وقد روى أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة عن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن للشيطان لمة « 1 » بابن آدم وللملك لمة ، فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه وليحمد اللّه ، ومن وجد الآخر فليتعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ثم قرأ : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ » « 2 » . وقد رواه عمر عن عطاء بن السائب وزاد فيه عمر وقال : سمعنا في هذا الحديث أنه كان يقال : « إذا أحس أحدكم لمن لمة الملك شيئا فليحمد اللّه وليسأله من فضله ، وإذا أحس من لمة الشيطان شيئا فليستغفر اللّه وليتعوذ من الشيطان » . فصل فالنفس المطمئنة والملك وجنده من الإيمان يقتضيان من النفس المطمئنة التوحيد والإحسان والبر والتقوى والصبر والتوكل والتوبة والإنابة والإقبال على اللّه وقصر الأمل والاستعدادات للموت وما بعده ، والشيطان وجنده من الكفر يقتضيان من النفس الأمّارة ضد ذلك وقد سلط اللّه سبحانه الشيطان على كل ما ليس له ولم يرد به وجهه ولا هو طاعة له وجعل ذلك إقطاعه فهو يستنيب النفس الأمّارة على هذا العمل والإقطاع ويتقاضى أن تأخذ الأعمال من النفس المطمئنة فنجعلها قوة لها فهي أحرص شيء على تخليص الأعمال كلها وأن تصير من حظوظها ، فأصعب شيء على النفس المطمئنة تخليص الأعمال من الشيطان ومن الأمارة للّه فلو وصل منها عمل واحد كما ينبغي لنجابه العبد ولكن أبت الأمارة والشيطان أن يدعا لها عملا واحدا يصل إلى اللّه كما قال بعض العارفين باللّه وبنفسه واللّه لو أعلم أن لي عملا واحدا يصل إلى اللّه لكنت أفرح بالموت من الغائب يقدم على أهله ، وقال
--> ( 1 ) اللمة : القرب ، والمراد ما يقع في القلب من الشيطان أو من الملك . ( 2 ) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن باب من سورة البقرة ( 5 / 204 ) برقم 2988 ، كما أخرجه النسائي في التفسير .