ابن قيم الجوزية
313
الروح
لوّامة ملومة : وهي النفس الجاهلة الظالمة التي يلومها اللّه وملائكته . ولوّامة غير ملومة : وهي التي لا تزال تلوم صاحبها على تقصيره طاعة اللّه مع بذله جهده فهذه غير ملومة ، وأشرف النفوس من لامت نفسها في طاعة اللّه واحتملت ملام اللائمين في مرضاته فلا تأخذها فيه لومة لائم فهذه قد تخلصت من لوم اللّه ، وأما من رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها ولم تحتمل في اللّه ملام اللوام ، فهي التي يلومها اللّه عز وجل . فصل [ النفس الأمّارة ] وأما النفس الأمّارة فهي المذمومة فإنها التي تأمر بكل سوء وهذا من طبيعتها إلا ما وفقها اللّه وثبتها وأعنها . فما تخلص أحد من شر نفسه إلا بتوفيق اللّه له كما قال تعالى حاكيا عن امرأة العزيز : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » وقال تعالى : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً « 2 » وقال تعالى لأكرم خلقه عليه وأحبهم إليه : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا « 3 » وكان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يعلمهم خطبة الحاجة : ( الحمد للّه نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له ) فالشر كامن في النفس وهو يوجب سيئات الأعمال فإن خلى اللّه بين العبد وبين نفسك هلك بين شرها وما تقتضيه من سيئات الأعمال ، وإن وفقه اللّه وأعانه نجاه من ذلك كله فنسأل اللّه العظيم أن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا . وقد امتحن اللّه سبحانه الإنسان بهاتين النفسين الأمّارة واللوّامة كما أكرمه بالمطمئنة فهي نفس واحدة تكون أمّارة ثم لوّامة ثم مطمئنة وهي غاية كمالها وصلاحها وأيد المطمئنة بجنود عديدة فجعل الملك قرينها وصاحبها الذي يليها ويسددها ويقذف فيها الحق ويرغبها فيه ويريها حسن صورته ويزجرها عن الباطل ويزهدها فيه ويريها قبح صورته ، وأمدها بما علمها من القرآن والأذكار وأعمال البر وجعل وفود الخيرات ومداد التوفيق تنتابها وتصل إليها من كل ناحية وكلما تلقتها
--> ( 1 ) سورة يوسف ، الآية 53 . ( 2 ) سورة النور ، الآية 21 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآية 74 .