ابن قيم الجوزية

312

الروح

أو فكر في منتهى حسنه ورأى آخره بعين بصيرة لأنف لها من محبته . فهذا كله من آثار اليقظة وموجباتها وهي أول منازل النفس المطمئنة التي نشأ منها سفرها إلى اللّه والدار الآخرة . فصل [ النفس اللوامة ] وأما النفس اللوّامة وهي التي أقسم بها سبحانه في قوله : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ « 1 » فاختلف فيها . فقالت طائفة هي التي لا تثبت على حال واحدة ، أخذوا اللفظة من التلوم وهو التردد فهي كثيرة التقلب والتلون وهي من أعظم آيات اللّه فإنها مخلوق من مخلوقاته تتقلب وتتلون في الساعة الواحدة فضلا عن اليوم والشهر والعام والعمر ألوانا متلونة فتذكر وتغفل وتعرض وتلطف وتكشف وتنيب وتجفو وتحب وتبغض وتفرح وتحزن . وترضى وتغضب وتطيع وتتقي وتفجر ، إلى أضعاف أضعاف ذلك من حالاتها وتلونها فهي تتلون كل وقت ألوانا كثيرة فهذا قول . وقالت طائفة : اللفظة مأخوذة من اللوم ثم اختلفوا فقالت فرقة هي نفس المؤمن ، وهذا من صفاتها المجردة . قال الحسن البصري : إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائما يقول ما أردت بهذا ؟ لم فعلت هذا ؟ كان غير هذا أولى ، أو نحو هذا من الكلام . وقال غيره : هي نفس المؤمن توقعه في الذنب ثم تلومه عليه فهذا اللوم من الإيمان بخلاف الشقي فإنه لا يلوم نفسه على ذنب بل يلومها وتلومه على فواته . وقالت طائفة : بل هذا اللوم للنوعين فإن كل أحد يلوم نفسه برا كان أو فاجرا ، فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية اللّه وترك طاعته ، والشقي لا يلومها إلا على فوات حظها وهواها . وقالت فرقة أخرى : هذا اللوم يوم القيامة فإن كل أحد يلوم نفسه إن كان مسيئا على إساءته وإن كان محسنا على تقصيره . وهذه الأقوال كلها حق ، ولا تنافي بينها ، فإن النفس موصوفة بهذا كله باعتباره سميت لوّامة ، لكن اللوّامة نوعان :

--> ( 1 ) سورة القيامة ، الآية 2 .