ابن قيم الجوزية

304

الروح

بها الأشياء ولم تفارق الجسد بل تخرج كحبل ممتد له شعاع فيرى الرؤيا بالنفس التي خرجت منه وتبقى الحياة والروح في الجسد فيه يتقلب ويتنفس فإذا حرك رجعت إليه أسرع من طرفة عين فإذا أراد اللّه عز وجل أن يميته في المنام أمسك تلك النفس التي خرجت ، وقال أيضا إذا نام خرجت نفسه فصعدت إلى فوق فإذا رأت الرؤيا رجعت فأخبرت الروح ويخبر الروح فيصبح يعلم أنه قد رأى كيت وكيت . قال أبو عبد اللّه بن منده : ثم اختلفوا في معرفة الروح والنفس فقال بعضهم النفس طينية نارية والروح نورية روحانية . وقال : بعضهم الروح لاهوتية « 1 » والنفس ناسوتية « 2 » وأن الخلق بها ابتلى . وقالت طائفة : وهم أهل الأثر أن الروح غير النفس ، والنفس غير الروح وقوام النفس بالروح ، والنفس صورة العبد ، والهوى والشهوة والبلاء معجون فيها ولا عدو أعدى لابن آدم من نفسه ، فالنفس لا تريد إلا الدنيا ولا تحب إلا إياها ، والروح تدعو إلى الآخرة وتؤثرها ، وجعل الهوى تبعا للنفس ، والشيطان تبع النفس والهوى ، والملك مع العقل والروح ، واللّه تعالى يمدهما بإلهامه وتوفيقه . وقال بعضهم : الأرواح من أمر اللّه أخفي حقيقتها وعلمها على الخلق . وقال بعضهم : الأرواح نور من اللّه وحياة من حياة اللّه . ثم اختلفوا في الأرواح هل تموت بموت الأبدان والأنفس أو لا تموت ؟ فقالت طائفة : الأرواح لا تموت ولا تبلى . وقالت جماعة : الأرواح على صورة الخلق لها أيد وأرجل وأعين وسمع وبصر ولسان . وقالت طائفة : للمؤمن ثلاثة أرواح ، وللمنافق والكافر روح واحدة . وقال بعضهم للأنبياء والصديقين خمس أرواح . وقال بعضهم : الأرواح روحانية خلقت من الملكوت ، فإذا صفت رجعت إلى الملكوت . قلت : أما الروح التي تتوفى وتقبض فهي روح واحدة ، وهي النفس . وأما ما

--> ( 1 ) أي إلهية . ( 2 ) أي إنسانية .