ابن قيم الجوزية
305
الروح
يؤيد اللّه به أولياءه من الروح فهي روح أخرى غير هذه الروح كما قال تعالى : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ « 1 » وكذلك الروح الذي أيد بها روحه المسيح ابن مريم كما قال تعالى : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ « 2 » وكذلك الروح التي يلقيها على من يشاء من عباده هي غير الروح التي في البدن . وأما القوى التي في البدن فإنها تسعى أيضا أرواحا فيقال الروح الباصر والروح السامع والروح الشام ، فهذه الأرواح قوى مودعة في البدن تموت بموت الأبدان ، وهي غير الروح التي لا تموت بموت البدن ولا تبلى كما يبلى ، ويطلق الروح على أخص من هذا كله وهو قوة المعرفة باللّه والإنابة إليه ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته ، ونسبة هذه الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن ، فإذا فقدتها الروح كانت بمنزلة البدن إذا فقد روحه ، وهي الروح التي يؤيد بها أهل ولايته وطاعته ، ولهذا يقول الناس فلان فيه روح ، وفلان ما فيه روح وهو قصبة فارغة ونحو ذلك . فللعلم روح ، وللإحسان روح ، وللإخلاص روح ، وللمحبة والإنابة روح ، وللتوكل والصدق روح ، والناس متفاوتون في هذه الأرواح أعظم تفاوت منهم من تغلب عليه هذه الأرواح فيصير روحانيا ، ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير أرضيا بهيميا ، واللّه المستعان . المسألة الحادية والعشرون [ وهي : هل النفس واحدة أم ثلاث ] فقد وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاث أنفس ، نفس مطمئنة ، ونفس لوّامة ، ونفس أمّارة ، وأن منهم من تغلب عليه هذه ومنهم من تغلب عليه الأخرى ، ويحتجون على ذلك بقوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ وبقوله تعالى : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ . وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ « 3 » وبقوله تعالى : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ « 4 » والتحقيق أنها نفس واحدة ولكن لها صفات فتسمى
--> ( 1 ) سورة المجادلة ، الآية 22 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية 110 . ( 3 ) سورة القيامة ، الآية 1 و 2 . ( 4 ) سورة يوسف ، الآية 53 .