ابن قيم الجوزية

292

الروح

بعد ما حصل في العقل من الضعف حصل ذلك في أضداده فينجبر النقصان من أحد الجانبين بالنقصان من الجانب الآخر فيقع الاعتدال . الوجه الخامس : أن الشيخ حفظ العلوم والتجارب الكثيرة ومارس الأمور ودربها وكثرت تجاربه ، وهذه الأحوال تعينه على وجوه الفكر وقوة النظر فقام [ مقام ] « 1 » النقصان الحاصل بسبب ضعف البدن والقوى . الوجه السادس : أن كثرة الأفعال بسبب حصول الملكات الراسخة فصارت الزيادة الحاصلة بهذا الطريق جابرا للنقصان الحاصل بسبب اختلال البدن . الوجه السابع : أنه قد ثبت في الصحيح عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « يهرم ابن آدم وتشب فيه خصلتان ، الحرص وطول الأمل » « 2 » . والواقع شاهد لهذا الحديث مع أن الحرص والأمل من القوى الجسمانية والصفات الخيالية ، ثم إن ضعف البدن لم يوجب ضعف هاتين الصفتين فعلم أنه لا يلزم من اختلال البدن وضعفه ضعف الصفات البدنية . الوجه الثامن : إنا نرى كثيرا من الشيوخ يصيرون إلى الخرف وضعف العقل بل هذا هو الأغلب ، ويدل عليه قوله تعالى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً « 3 » فالشيخ في أرذل عمره يصير كالطفل أو أسوأ حالا منه ، وأما من لم يحصل له ذلك فإنه لا يرد إلى أرذل العمر . الوجه التاسع : أنه لا تلازم بين قوة البدن وقوة النفس ولا بين ضعفه وضعفها ، فقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف النفس جبانا خوارا ، وقد يكون ضعيف البدن قوي النفس فيكون شجاعا مقداما على ضعف بدنه .

--> ( 1 ) زيدت على المطبوع لسياق العبارة . ( 2 ) أخرجه الترمذي بلفظ : « يهرم ابن آدم ويشب منه اثنان ، الحرص على المال والحرص على العمر » . وبلفظ آخر عن الترمذي : « قلب الشيخ شاب على حب اثنتين ، طول الحياة وكثرة المال » . انظر سنن الترمذي كتاب الزهد باب ما جاء في قلب الشيخ الشاب ( 4 / 493 ) الأرقام : 2338 و 2339 و 2455 . وانظر صحيح مسلم كتاب الزكاة باب كراهة الحرص على الدنيا ، وانظر سنن ابن ماجة كتاب الزهد باب الأمد والأجل . ( 3 ) سورة النحل ، الآية 70 .