ابن قيم الجوزية

293

الروح

الوجه العاشر : أنه لو سلم لكم ما ذكرتم لم يدل على كون النفس جوهرا مجردا لا داخل العالم ولا خارجه ، ولا هي في البدن ولا خارجة عنه ، لأنها إذا كانت جسما صافيا مشرقا سماويا مخالفا للأجسام الأرضية لم تقبل الانحلال والذبول والتبدل ، كما تقبله الأجسام المتحللة الأرضية ، فلا يلزم من حصول الانحلال والذبول في هذا البدن حصولهما في جوهر النفس . فصل قولكم في التاسع : إن القوة العقلية غنية في أفعالها عن الجسم وما كان غنيا من الجسم في أفعاله كان غنيا عنه في ذاته إلى آخره . جوابه أن يقال : لا يلزم من ثبوت حكم في قوة جسمانية ثبوت مثل ذلك الحكم في جميع القوى الجسمانية وليس معكم غير الدعوى المجردة والقياس الفاسد . وأيضا فالصور والأعراض محتاجة إلى محلها وليس احتياجها إلى تلك المحال إلا لمجرد ذواتها ولا يلزم من استقلالها بهذا الحكم استغناؤها في ذواتها عن تلك المحال فلا يلزم من كون الشيء مستقلا بانقضاء حكم من الأحكام أن يكون مستغنيا في ذاته عن المحل . واللّه أعلم . فصل [ الرد على القول بأن القوة الجسمانية تتعب ] قولكم في العاشر : إن القوة الجسمانية تكل « 1 » بكثرة الأفعال ولا تقوى على القوي بعد الضعف إلى آخره . جوابه : أن القوة الخيالية جسمانية ثم إنها تقوى على تخيل الأشياء العظيمة مع تخيلها الأشياء الحقيرة فإنها يمكنها أن تتخيل الشعلة الصغيرة مثال ما تخيل الشمس والقمر . أيضا فإن الأبصار القوية القاهرة تمنع أبصار الأشياء الضعيفة ؟ فكذلك تقول العقول العظيمة العالية تمنع تعقل المعقولات الضعيفة فإن المستغرق في معرفة جلال رب الأرض والسماوات وأسمائه وصفاته يمتنع عليه في تلك الحال الفكر في ثبوت الجوهر الفرد وحقيقته .

--> ( 1 ) التعب الشديد حتى يصل إلى درجة الإعياء .