ابن قيم الجوزية
279
الروح
السادس : إن كل واحد يدرك نفسه ، وإدراك الشيء عبارة عن حضور ماهية العلوم عند العالم ، فإذا علمنا أنفسنا فهو إما أن يكون لأجل حضور ذواتنا لذواتنا أو لأجل حضور صورة مساوية لذواتنا في ذواتنا ، والقسم الثاني باطل ، وإلا لزم اجتماع المثلين ، فثبت أنه لا معنى لعلمنا بذاتنا إلا حضور ذاتنا عند ذاتنا ، وهذا إنما يكون إذا كانت ذاتا قائمة بالنفس غنية عن المحل ، لأنها لو كانت حالة في محل كانت حاضرة عند ذلك المحل ، فثبت أن هذا المعنى إنما يحصل إذا كانت النفس قائمة بنفسها غنية عن محل تحل فيه . السابع : ما احتج به أبو البركات البغدادي وأبطل ما سواه فقال : لا نشك أن الواحد منا يمكنه أن يتخيل بحرا من زئبق ، وجبلا من ياقوت ، وشمسا وأقمارا فهذه الصور الخيالية لا تكون معدومة ، لأن قوة المتخيل تشير إلى تلك الصور وتميز بين كل صورة وغيرها ، وقد يقوى ذلك المتخيل إلى أن يصير كالمشاهد المحسوس ، ومعلوم أن العدم المحض والنفي الصرف لا يثبت ذلك ، ونحن نعلم بالضرورة أن هذه الصور ليست موجودة في الأعيان ، فثبت أنها موجودة في الأذهان ، فنقول محل هذه الصورة إما أن يكون جسما أو حالا في الجسم ، أو لا جسما ولا حالا في الجسم ، والقسمان الأولان باطلان ، لأن صورة البحر والجبل صورة عظيمة ، والدماغ والقلب جسم صغير ، وانطباع العظيم في الصغير محال ، فثبت أن محل هذه الصورة الخيالية ليس بجسم ولا جسماني . الثامن : لو كانت القوة العقلية جسدانية لضعفت في زمان الشيخوخة دائما وليس كذلك . التاسع : أن القوة العقلية غنية في أفعالها عن الجسم ، وما كان غنيا في فعله عن الجسم وجب أن يكون غنيا في ذاته عن الجسم . بيان الأول : أن القوة العقلية تدرك نفسها ، ومن المحال أن يحصل بينها وبين نفسها آلة متوسطة أيضا ، وتدرك إدراكها لنفسها ، وليس هذا الإدراك بآلة . وأيضا فإنها تدرك الجسم الذي هو آلتها وليس بينها وبين آلتها آلة أخرى . وبيان الثاني من وجهين : أحدهما : أن القوى الجسمانية كالنظرة والسامعة الخيال والوهم لما كانت