ابن قيم الجوزية
280
الروح
جسما يقدر عليها إدراك ذوتها وإدراكها لكونها مدركة لذواتها وإدراكها لتلك الأجسام الحاملة لها ، فلو كانت القوة العاقلة جسمانية لتعذر عليها هذه الأمور الثلاثة . الثاني : أن مصدر الفعل هو النفس ، فلو كانت النفس متعلقة في قوامها ووجودها بالجسم لم تحصل تلك الأفعال إلا بشركة من الجسم ، ولما ثبت أنه ليس كذلك ثبت أن القوة العقلية غنية عن الجسم . العاشر : أن القوة الجسمانية تكل بكثرة الأفعال ، ولا تقوى على القوى بعد الضعف ، وسببه ظاهر ، فإن القوة الجسمانية بسبب مزاولة الأفعال تتعرض موادها للتحلل والذبول وهو يوجب الضعف ، وأما القوة العقلية فإنها لا تضعف بسبب كثرة الأفعال وتقوى على القوى بعض الضعف فوجب أن لا تكون جسمانية . الحادي عشر : أنا إذا حكمنا بأن السواد مضاد للبياض وجب أن يحصل في الذهن ماهية السواد والبياض ، والبداهة حاكمة بأن اجتماع السواد والبياض والحرارة والبرودة في الأجسام محال ، فلما حصل هذا الاجتماع في القوة العقلية وجب أن لا تكون قوة جسمانية . الثاني عشر : أنه لو كان محل الإدراكات جسم ، وكل جسم منقسم لا محالة ، لم يمنع أن يقوم ببعض أجزاء الجسم علم بالشيء ، وبالبعض الآخر منه جهل ، وحينئذ فيكون الإنسان في الحال الواحد عالما بالشيء وجاهلا به . الثالث عشر : أن المادة الجسمانية ، إذا حصلت فيها نقوش [ غير ] « 1 » مخصوصة فإن وجود تلك النقوش فيها يمنع من حصول نقوش غيرها ، وأما النقوش العقلية فبالضد من ذلك ، لأن الأنفس إذا كانت خالية من جميع العلوم والإدراكات فإنه يصعب عليها التعلم ، فإذا تعلمت شيئا صار حصول تلك العلوم معينا على مهولة غيرها ، فالنقوش الجسمانية متغايرة متنافسة ، والنقوش العقلية متعاونة متعاضدة . الرابع عشر : إن النفس لو كانت جسما لكان بين إرادة العبد تحريك رجله
--> ( 1 ) وردت في الأصل : غيرها .