ابن قيم الجوزية

276

الروح

الوجه الثالث عشر بعد المائة : أن النفس لو كانت مجردة عن الجسمية والتحيز لامتنع أن يتوقف فعلها عن مماسة محل الفعل ، لأن ما لا يكون متحيزا يمتنع أن يصير مماسا للمتحيز ، ولو كان الأمر كذلك لكان فعلها على سبيل الاختراع من غير حاجة إلى حصول مماسة وملاقاة بين الفاعل وبين محل الفعل ، فكان الواحد منا يقدر على تحريك الأجسام من غير أن يماسها أو يماس شيئا يماسها ، فإن النفس عندكم كما كانت قادرة على تحريك البدن من غير أن يكون بينها وبينه مماسة كذلك لا تمتنع قدرتها على تحريك جسم غيره من غير ممارسة له ولا لما يماسه ، وذلك باطل بالضرورة ، فعلم أن النفس لا تقوى على التحريك إلا بشرط أن تماس محل الحركة أو تماس ما يماسه ، وكل ما كان مماسا للجسم أو لما يماسه فهو جسم . فإن قيل : يجوز أن يكون تأثير النفس في تحريك بدنها الخاص غير مشروط بالممارسة وتأثيرها في تحريك غيره موقوف على حصول المماسة بين بدنها وبين ذلك الجسم . فالجواب : أنه لما كان قول البدن لتصرفات النفس لا يتوقف على حصول المماسة بين النفس وبين ؟ ؟ ؟ وجب أن تكون الحال كذلك في غيره من الأجسام ، لأن الأجسام متساوية في قبول الحركة ، ونسبة النفس إلى جميعها سواء ، لأنها إذا كانت مجردة عن الحجمية وعلائق الحجمية كانت نسبة ذاتها إلى الكل بالسوية ، ومتى كانت ذات الفاعل نسبتها إلى الكل بالسوية والقوابل نسبتها إلى ذلك الفاعل بالسوية كان التأثير بالنسبة إلى الكل على السواء ، فإذا استغنى الفاعل عن مماسة محل الفعل في حق البعض وجب أن يستغني في حق الجميع ، وإن افتقر إلى الممارسة في البعض وجب افتقاره في الجميع . فإن قيل : النفس عاشقة لهذا البدن دون غيره فكان تأثيرها فيه أقوى من تأثيرها في غيره قبل هذا العشق الشديد ، يقتضي أن يكون تعلقها بالبدن أكثر ، وتصرفها فيه أقوى ، فأما أن يتغير بمقتضى ذاتها بالنسبة إلى هذه الأجسام فذلك محال . وهذا دليل في غاية القوة . الوجه الرابع عشر بعد المائة : أن العقلاء كلهم متفقون على أن الإنسان هو