ابن قيم الجوزية

277

الروح

هذا الحي الناطق المتغذي النامي الحساس المتحرك بالإرادة ، وهذه الصفات نوعان ، صفات لبدنه وصفات لروح ونفسه الناطقة ، فلو كانت الروح جوهرا مجردا لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلة به ولا منفصلة عنه ، لكان الإنسان لا داخل العالم ولا خارجه ، ولا متصلة به ولا منفصلا عنه ، أو كان بعضه في العالم وبعضه لا داخل العالم ولا خارجه ، وكل عاقل يعلم بالضرورة بطلان ذلك ، وأن الإنسان بجملته داخل العالم بدنه وروحه ، وهذا في البطلان يضاهي قول من قال إن نفسه قديمة غير مخلوقة ، فجعلوا نصف الإنسان مخلوقا ونصفه غير مخلوق . فإن قيل نحن نسلم أن الإنسان كما ذكرتم إلا أنا نثبت جوهرا مجردا يدبر الإنسان الموصوف بهذه الصفات . قلنا : فذلك الجوهر الذي أثبتموه مغاير للإنسان أو هو حقيقة الإنسان ؟ ولا بدّ لكم من أحد الأمرين : فإن قلتم هو غير الإنسان رجع كلامكم إلى أنكم أثبتم للإنسان مدبرا غيره وسميتموه نفسا ، وكلامنا الآن إنما هو في حقيقة الإنسان لا في مدبره ، فإن مدبر الإنسان وجميع العالم العلوي والسفلي هو اللّه الواحد القهار . الوجه الخامس عشر بعد المائة : أن كل عاقل إذا قيل له ما الإنسان ؟ فإنه يشير إلى هذه البنية وما قام بها لا يخطر بباله أمر مغاير لها مجرد ليس في العالم ولا خارجه والعلم بذلك ضروري لا يقبل شكا ولا تشكيكا . الوجه السادس عشر بعد المائة : أن عقول العالمين قاضية بأن الخطاب متوجه إلى هذه البنية وما قام بها وساكنها ، وكذلك المدح والذم والثواب والعقاب والترغيب والترهيب ، ولو أن رجلا قال : المأمور والمنهي والممدوح والمذموم والمخاطب والعاقل جوهر مجرد ليس في العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه لأضحك العقلاء على عقله ولأطبقوا على تكذبه ، وكل ما شهدت بداهته العقول وصرائحها ببطلانه كان الاستدلال على ثبوته استدلال على صحة وجود المحال ، وباللّه التوفيق . فصل [ الروح والجسم ، والنفس والجسم ] فإن قيل : قد ذكرتم الأدلة الدالة على جسميتها وتحيزها فما جوابكم من أدلة المنازعين لكم في ذلك ؟ فإنهم استدلوا بوجوه :