ابن قيم الجوزية
267
الروح
قال : فيصعدون بها فتفوح لهم ريح أطيب من المسك فيصلون عليها ويتباشرون بها ، وتفتح لهم أبواب السماء ، ويصلي عليها كل ملك في كل سماء تمر بهم ، حتى تنتهي بين يدي الجبار جل جلاله ، فيقول الجبار عز وجل : مرحبا بالنفس الطيبة ، أدخلوها الجنة وأروها مقعدها من الجنة ، واعرضوا عليها ما أعددت لها من الكرامة والنعيم ، ثم اذهبوا بها إلى الأرض ، فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ، فوالذي نفس محمد بيده لهي أشد كراهية للخروج منها حين كانت تخرج من الجسد ، وتقول : أين تذهبون بي ؟ إلى ذلك الجسد الذي كنت فيه ؟ فيقولون : إنا مأمورون بهذا ، فلا بد لك منه ، فيهبطون به على قدر فراغهم من غسله وأكفانه ، فيدخلون ذلك الروح بين الجسد وأكفانه . فتأمل كم في الحديث من موضع يشهد ببطلان قول المبطلين في الروح . التاسع والتسعون : ما ذكره عبد الرازق عن معمر بن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن البيلماني عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال : إذا توفي المؤمن بعث إليه ملكان بريحان من الجنة وخرقة تقبض فيها ، فتخرج كأطيب رائحة وجدها أحد قط بأنفه ، حتى يؤتى به الرحمن جل جلاله ، فتسجد الملائكة قبله ، ويسجد بعدهم ، ثم يدعى ميكائيل عليه السلام فيقال : اذهب بهذه النفس فاجعلها مع أنفس المؤمنين حتى أسألك عنها يوم القيامة . وقد تظاهرت الآثار عن الصحابة أن روح المؤمن تسجد بين يدي العرش في وفاة النوم ووفاة الموت ، وأما حين قدومها على اللّه فأحسن تحيتها أن تقول : اللهم أنت الحلام ومنك الحلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام . وحدثني القاضي نور الدين بن الصائغ قال : كانت لي خالة ، وكانت من الصالحات العابدات ، قال : عدتها في مرض موتها فقال لي : الروح إذا قدمت على اللّه ووقفت بين يديه ما تكون تحيتها وقولها له ؟ قال فعظمت علي مسألتها ، وفكرت فيها ، ثم قلت : تقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام . قال : فلما توفيت رأيتها في المنام فقالت لي : جزاك اللّه خيرا لقد دهشت ، فما أدري ما أقوله ، ثم ذكرت تلك الكلمة التي قلت لي فقلتها . فصل [ روح النائم ] المائة ما قد اشترك في العلم به عامة أهل الأرض من لقاء أرواح الموتى لهم