ابن قيم الجوزية
266
الروح
السادس والتسعون : رؤيته صلى اللّه عليه وآله وسلم أرواح المعذبين في البرزخ بأنواع العذاب في حديث سمرة الذي رواه البخاري في صحيحه ، وقد تلاشت أجسادهم واضمحلت ، وإنما كان الذي رآه أرواحهم ونسمهم يفعل بها ذلك . السابع والتسعون : إخباره سبحانه عن الذين قتلوا في سبيله أنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، وأنهم فرحون مستبشرون بإخوانهم ، وهذا للأرواح قطعا لأن الأبدان في التراب [ تنتظر ] « 1 » عود أرواحها إليها يوم البعث . الثامن والتسعون : ما تقدم من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما ، ونحن نسوقه ليتبين كم فيه من دليل على بطلان قول الملاحدة وأهل البدع في الروح ، وقد ذكرنا إسناده فيما تقدم ، قال : بينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ذات يوم قاعدا تلا هذه الآية : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ « 2 » الآية ثم قال : والذي نفس محمد بيده ، ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة أو النار ، فإذا كان عند ذلك صف له سماطان من الملائكة ينتظمان ما بين الخافقين كأن وجوههم الشمس ، فينظر إليهم ما يرى غيرهم ، وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم مع كل ملك منهم أكفان وحنوط ، فإن كان مؤمنا بشروه بالجنة وقالوا : أخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى رضوان اللّه وجنته ، فقد أعد اللّه لك من الكرامة ما هو خير لك من الدنيا وما فيها . فلا يزالون يبشرونه فهم ألطف به وأرأف من الوالدة بولدها ، ثم يسلون روحه من تحت كل ظفر ومفصل يموت الأول ويبرد كل عضو ، الأول فالأول ، ويهون عليهم ، وإن كنتم ترونه شديدا حتى تبلغ ذقنه فلهي أشد كراهية للخروج من الجسد من الولد حين يخرج من الرحم ، فيبتدرونها ، كل ملك منهم أيهم يقبضها ، فيتولى قبضها ملك ، ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ « 3 » فيتلقاها بأكفان بيض ثم يحتضنها إليه فلهو أشد لزوما من المرأة لولدها ثم يفوح منها ريح أطيب من المسك ، فيستنشقون ريحا طيبا ويتباشرون بها ويقولون : مرحبا بالريح الطيبة والروح الطيب ، اللهم صل عليه روحا وصل على جسد خرجت منه .
--> ( 1 ) وردت في المطبوع : تنظر . ( 2 ) سورة الأنعام ، الآية 93 . ( 3 ) سورة السجدة ، الآية 11 .