ابن قيم الجوزية
252
الروح
أن يرسل إليه روح مخلوقة قائمة بنفسها مع الملك ، وتأمل ما دل عليه النص من هذين المعنيين وباللّه التوفيق . المسألة التاسعة عشر [ حقيقة النفس ] وهي : ما حقيقة النفس : هل هي جزء من أجزاء البدن ، أو عرض من أعراضه ، أو جسم مساكن له مودع فيه ، أو جوهر مجرد ؟ وهل هي الروح أو غيرها ؟ وهل الأمّارة واللوّامة والمطمئنة نفس واحدة لها هذه الصفات ، أم هي ثلاث أنفس . فالجواب : إن هذه مسائل قد تكلم الناس فيها من سائر الطوائف ، واضطربت أقوالهم فيها وكثر فيها خطؤهم ، وهدى اللّه أتباع الرسول وأهل سنته لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، فنذكر أقوال الناس وما لهم وما عليهم في تلك الأقوال ، ونذكر الصواب بحمد اللّه وعونه : قال أبو الحسن الأشعري في مقالاته : « اختلف الناس في الروح والحياة هل الروح هي الحياة أو غيرها ؟ وهل الروح جسم أم لا ؟ فقال النظام : الروح هي جسم وهي النفس ، وزعم أن الروح حي بنفسه ، وأنكر أن تكون الحياة والقوة معنى غير الحي القوي . وقال آخرون : الروح عرض . وقال قائلون منهم جعفر بن حرب : لا ندري الروح جوهر أو عرض ، واعتلوا في ذلك بقوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « 1 » ولم يخبر عنها ما هي ؟ لا أنها جوهر ولا عرض - قال : - وأظن جعفرا أثبت أن الحياة غير الروح وأثبت أن الحياة عرضا . وكان الجبائي « 2 » يذهب إلى أن الروح جسم وأنها غير الحياة ، والحياة عرض ، ويعتل بقول أهل اللغة : خرجت روح الإنسان ، وزعم أن الروح لا تجوز عليها الأعراض . وقال قائلون : ليس الروح شيئا أكثر من اعتدال الطبائع الأربع ، ولم يرجعوا
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية 85 . ( 2 ) وهو من المعتزلة .