ابن قيم الجوزية

253

الروح

عن قولهم إلا إلى المعتدل ، ولم يثبتوا في الدنيا شيئا إلا الطبائع الأربع التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة . وقال قائلون : إن للروح مغنى خامس غير الطبائع الأربع ، وأنه ليس في الدنيا إلا الطبائع الأربع واختلفوا في الروح فثبتها بعضهم طباعا وثبتها بعضهم اختيارا . وقال قائلون : الروح الدم الصافي الخالص من الكدر والعفونات ، وكذلك قالوا في القوة . وقال قائلون : الحياة هي الحرارة الغريزية ، وكل هؤلاء الذين حكينا أقوالهم في الروح من أصحاب الطبائع يثبتون أن الحياة هي الروح . وكان الأصم لا يثبت للحياة والروح شيئا غير الجسد ، ويقول : ليس أعقل إلا الجسد الطويل العريض العميق الذي أراه وأشاهده ، وكان يقول النفس هي هذا البدن بعينه لا غير ، وإنما جرى عليها هذا الذكر على جهة البيان والتأكيد بحقيقة الشيء لا على أنها معنى غير البدن . وذكر عن أرسطاطاليس « 1 » : أن النفس معنى مرتفع عن الوقوع تحت النسق واللون وأنها جوهر بسيط مثبت في العالم كله من الحيوان على جهة الأعمال له والتدبير ، وأنه لا تجوز عليه صفة قلة ولا كثرة ، قال وهي على ما وصفت من انبساطها في هذا العالم غير منقسمة الذات والبنية وأنها في كل حيوان العالم بمعنى واحد لا غير « 2 » . وقال آخرون : بل النفس معنى موجود ذات حدود وأركان وطول وعرض وعمق وأنها غير مفارقة في هذا العالم لغيرها مما يجري عليه حكم الطول والعرض

--> ( 1 ) هو أرسطاطاليس بن نيقوماخوس الفيلسوف اليوناني من أهل أسطاغيرا ، وهو المقدم المشهور والمعلم الأول والحكيم المطلق عند اليونان . ولد في السنة الأولى من ملك أزدشير بن دارا ، فلما بلغ سبعة عشر سنة من عمره أسلمه أبوه إلى أفلاطون ليعلمه ، فمكث عنده نيفا وعشرين سنة . ( 2 ) واعتبر أرسطاطاليس أن النفس الإنسانية ليست بجسم ولا قوة في جسم واستدل على ذلك باستدلالات عدة ( انظر الملل والمحل 3 / 56 ) .