ابن قيم الجوزية

251

الروح

الأعمال . وإن كان قدر لها قبل إيجادها ذلك ثم خرجت إلى هذه الدار على ما قدر لها فنحن لا ننكر الكتاب والقدر السابق لها من اللّه ، ولو دل دليل على أنها خلقت جملة ثم أودعت في مكان حية عالمة ناطقة ثم كل وقت تبرز إلى أبدانها شيئا فشيئا لكنا أول قائل به . فاللّه سبحانه على كل شيء قدير ولكن لا نخبر عنه خلقا وأمرا إلا بما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ومعلوم أن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يخبر عنه بذلك ، وإنما أخبر بما في الحديث الصحيح : « إن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح » « 1 » فالملك وحده يرسل إليه ، فينفخ فيه ، فإذا نفخ فيه كان ذلك سبب حدوث الروح فيه ، ولم يقل : يرسل الملك إليه بالروح فيدخلها في بدنه ، وإنما أرسل إليه الملك فأحدث فيه الروح بنفخته فيه ، لا أن اللّه سبحانه أرسل إليه الروح التي كانت موجودة قبل ذلك بالزمان الطويل مع الملك ، ففرق بين أن يرسل إليه الملك لينفخ فيه الروح ، وبين

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء ، وفي كتاب التوحيد باب ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ( 8 / 188 ) عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : حدثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق : « إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما وأربعين ليلة ، ثم يكون علقة مثله ، ثم يكون مضغة مثله ، ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات : فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح ، فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » . وأخرجه مسلم في كتاب القدر باب كيفية كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ( 8 / 44 ) عن زيد بن وهب عن عبد اللّه قال : حدثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق : « إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد . فوالدي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فنعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل أهل الجنة فيدخلها . وأخرجه الترمذي في كتاب القدر باب ما جاء أن الأعمال بالخواتيم ( 4 / 388 ) برقم 2137 - وبلفظ مقارب للفظ مسلم .