ابن قيم الجوزية
250
الروح
ولو كان للروح وجود قبل البدن وهي حية عالمة ناطقة لكانت ذاكرة لذلك في هذا العالم شاعرة به ولو بوجه ما . ومن الممتنع أن تكون حية عالمة ناطقة عارفة بربها ، وهي بين ملأ من الأرواح ، ثم تنتقل إلى هذا البدن ولا تشعر بحالها قبل ذلك بوجه ما . وإذا كانت بعد المفارقة تشعر بحالها وهي في البدن على التفصيل وتعلم ما كانت عليه هاهنا مع أنها اكتسبت بالبدن أمورا عاقتها عن كثير من كمالها ، فلأن تشعر بحالها الأول وهي غير معوقة هناك بطريق الأولى ، إلا أن يقال : تعلقها بالبدن واشتغالها بتدبيره منعها من شعورها بحالها الأول . فيقال : هب أنه منعها من شعورها به على التفصيل والكمال فهل يمنعها عن أدنى شعور بوجه ما مما كانت عليه قبل تعلقها بالبدن ، ومعلوم أن تعلقها بالبدن لم يمنعها عن الشعور بأول أحوالها وهي في البدن ، فكيف يمنعها من الشعور بما كان قبل ذلك . وأيضا فإنها لو كانت موجودة قبل البدن لكانت عالمية حية ناطقة عاقلة ، فلما تعلقت بالبدن سلبت ذلك كله ، ثم حدث لها الشعور والعلم والعقل شيئا فشيئا ، وهذا لو كان لكان أعجب الأمور أن تكون الروح كاملة عاقلة ثم تعود ناقصة ضعيفة جاهلة ، ثم تعود بعد ذلك إلى عقلها وقوتها ، فأين في العقل والنقل والفطرة ما يدل على هذا ؟ وقد قال تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ « 1 » فهذه الحال التي أخرجنا عليها هي حالنا الأصلية ، والعلم والعقل والمعرفة والقوة طارئ علينا ، حادث فينا بعد أن لم يكن ، ولم نكن نعلم قبل ذلك شيئا البتة ، إذ لم يكن لنا وجود نعلم ونعقل به . وأيضا فلو كانت مخلوقة قبل الأجساد وهي على ما هي الآن من طيب وخبث وكفر وإيمان وخير وشر لكان ذلك ثابتا لها قبل الأعمال ، وهي إنما اكتسبت هذه الصفات والهيئات من أعمالها التي سعت في طلبها واستعانت عليها بالبدن فلم تكن لتتصف بتلك الهيئات والصفات قبل قيامها بالأبدان التي بها عملت تلك
--> ( 1 ) سورة النحل ، الآية 78 .