ابن قيم الجوزية
249
الروح
ولم يكن للّه يومئذ خلق إلا الملائكة ، والأرض ليس فيها خلق ، إنما خلق آدم بعد ذلك ، وقرأ قوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً « 1 » قال عمر بن الخطاب : يا رسول اللّه ليت ذلك الحين ، ثم قال : وقالت الملائكة : ويأتي علينا دهر نعصيك فيه ؟ لا يرون له خلقا غيرهم ، قال : لا ! إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة . وذكر الحديث . قال ابن إسحاق : فيقال واللّه أعلم : خلق اللّه آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاما قبل أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالا كالفخار ولم تمسه نار ، فيقال واللّه أعلم : لما انتهى الروح إلى رأسه عطس فقال : الحمد للّه . . . وذكر الحديث . والقرآن والحديث والآثار تدل على أنه سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خلق جسده ، فمن تلك النفخة حدثت فيه الروح ، ولو كانت روحه مخلوقة قبل بدنه مع جملة أرواح ذريته لما عجبت الملائكة من خلقه ، ولما تعجبت من خلق النار ، وقالت : لأي شيء خلقتها ؟ وهي ترى أرواح بني آدم فيهم المؤمن والكافر والطيب والخبيث . ولما كانت أرواح الكفار كلها تبعا لإبليس ، بل كانت الأرواح الكافرة مخلوقة قبل كفره ، فإن اللّه سبحانه إنما حكم عليه بالكفر بعد خلق بدن آدم وروحه ، ولم يكن قبل ذلك كافرا ، فكيف تكون الأرواح قبله كافرة ومؤمنة وهو لم يكن كافرا إذ ذاك ؟ وهل حصل الكفر للأرواح إلا بتزيينه وإغوائه ، فالأرواح الكافرة إنما حدثت بعد كفره ، إلا أن يقال : كانت كلها مؤمنة ثم ارتدت بسببه ، والذي احتجوا به على تقديم خلق الأرواح يخالف ذلك . وفي حديث أبي هريرة في تخليق العالم الأخبار عن خلق أجناس العالم تأخر خلق آدم إلى يوم الجمعة ، ولو كانت الأرواح مخلوقة قبل الأجساد لكانت من جملة العالم المخلوق في ستة أيام ، فلما لم يخبر عن خلقها في هذه الأيام علم أن خلقها تابع لخلق الذرية ، وأن خلق آدم وحده هو الذي وقع في تلك الأيام الستة ، وأما خلق ذريته فعلى الوجه المشاهد المعاين .
--> ( 1 ) سورة الإنسان ، الآية 1 .