ابن قيم الجوزية
248
الروح
وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ « 1 » يعني من شأن إبليس ، فجعل جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها ، فقال الأرض : إني أعوذ باللّه منك أن تقبض مني ، فرجع ولم يأخذ ، وقال : رب إنها عاذت بك فأعذتها ، فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها ، فبعث ملك الموت . فعاذت منه فقال : وأنا أعوذ باللّه أن أرجع ولم أنفذ أمره ، فأخذ من وجه الأرض وخلط ، فلم يأخذ من مكان واحد ، فأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء . ولذلك خرج بنو آدم مختلفين ، فصعد به قبل الرب عز وجل حتى عاد طينا لازبا ، واللازب هو الذي يلزق بعضه ببعض ، ثم قال للملائكة : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ . فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ « 2 » ، لخلقه اللّه بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه ليقول له : تتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه ، فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة ، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه ، وكان أشدهم منه فزعا إبليس ، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة ، فذلك حين يقول : مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ « 3 » ويقول : لأمر ما خلقت ! ودخل من فيه فخرج من دبره ، فقال للملائكة : لا ترهبوا من هذا ، فإن ربكم صمد وهذا أجوف ، لئن سلطت عليه لأهلكته ، فلما بلغ الحين الذي يريد اللّه جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له ، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس ، فقالت الملائكة : قل الحمد للّه ، فقال : الحمد للّه ، فقال له اللّه : يرحمك ربك . فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام ، وقبل أن يبلغ الروح رجليه نهض عجلان إلى ثمار الجنة ، فذلك حين يقول : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ « 4 » وذكر باقي الحديث . قال يونس بن عبد الأعلى : أخبرنا ابن وهب ، حدثنا ابن زيد قال : لما خلق اللّه النار ذعرت منها الملائكة ذعرا شديدا وقالوا : ربما لم خلقت هذه النار ؟ ولأي شيء خلقتها ؟ قال : لمن عصاني من خلقي .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 30 . ( 2 ) سورة ص ، الآية 71 و 72 . ( 3 ) سورة الرحمن ، الآية 14 . ( 4 ) سورة الأنبياء ، الآية 27 .