ابن قيم الجوزية
242
الروح
الْآياتِ أي مثل هذا التفصيل والتبيين نفصل الآيات لعلهم يرجعون من الشرك إلى التوحيد ومن الكفر إلى الإيمان . وهذه الآيات التي فصّلها هي التي بينها في كتابه من أنواع مخلوقاته ، وهي آيات أفقية ونفسية [ وهي ] « 1 » آيات في نفوسهم وذواتهم ، وآيات في الأقطار والنواحي مما يحدثه الرب تبارك وتعالى ، مما يدل على وجوده ووحدانيته وصدق رسله ، وعلى المعاد والقيامة . ومن أبينها ما أشهد به كل واحد على نفسه من أنه ربه وخالقه ومبدعة ، وأنه مربوب مخلوق مصنوع حادث بعد أن لم يكن ، ومحال أن يكون حدث بلا محدث ، أو يكون هو المحدث لنفسه ، فلا بد له من موجد أوجده ، ليس كمثله شيء . وهذا الإقرار والمشاهدة فطرة فطروا عليها ، ليست بمكتسبة ، وهذه الآية وهي قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ « 2 » مطابقة لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة » « 3 » ولقوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ « 4 » . ومن المفسرين من لم يذكر إلا هذا القول فقط كالزمخشري ، ومنهم من لم يذكر إلا القول الأول فقط ، ومنهم من حكى القولين كابن الجوزي والواحدي والماوردي وغيرهم .
--> ( 1 ) زيادة على المطبوع لوضوح العبارة . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية 172 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في كتاب السنّة باب في ذراري المشركين ( 5 / 86 ) برقم 4714 وتمام الحديث : « فأبواه يهودانه وينصرانه ، كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء » ؟ قالوا : يا رسول اللّه ، أفرأيت من يموت وهو صغير ؟ قال : « اللهم أعلم بما كانوا عاملين » ، وأخرج هذا الحديث بمعناه من حديث أبي سلمة بن عبد اللّه عن أبي هريرة البخاري في كتاب الجنائز باب إذا أسلم الصبي الخ ، وفي القدر باب اللّه أعلم بما كانوا يعملون ( 8 / 153 ) وفي كتاب التفسير باب تفسير سورة الروم ( 6 / 143 ) ، وأخرجه مسلم في كتاب القدر باب معنى : كل مولود يولد على الفطرة برقم 2658 ، وأخرجه الترمذي مختصرا من حديث أبي صالح عن أبي هريرة في كتاب القدر باب كل مولود يولد على الفطرة برقم 2139 . ( 4 ) سورة الروم ، الآية 30 و 31 .