ابن قيم الجوزية

243

الروح

وقال الحسن بن يحيى الجرجاني : فاعترض معترض في هذا الفصل بحديث يروى عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « إن اللّه مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته وأخذ عليهم العهد ثم ردهم في ظهره » ، وقال : إن هذا مانع من جواز التأويل ذهبت إليه لامتناع ردهم في الظهر إن كان أخذ الميثاق عليهم بعد البلوغ وتمام العقل ، قيل له : إن معنى ثم ردهم في ظهره ثم يردهم في ظهره كما قلنا إن معنى أخذ ربك : يأخذ ربك ، فيكون معناه : ثم يردهم في ظهره بوفاتهم ، لأنهم إذا ماتوا ردوا إلى الأرض للدفن ، آدم خلق منها ردوا فيها ، فإذا ردوا فيها فقد ردوا في آدم وفي ظهره ، إذ كان آدم خلق منها وفيها رد ، وبعض الشيء من الشيء ، وفيما ذهبتم إليه من تأويل هذا الحديث على ظاهره تفاوت بينه وبين ما جاء به القرآن في هذا المعنى إلا أن يرد تأويله إلى ما ذكرناه لأنه عز وجل قال : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ « 1 » ولم يذكر آدم في الفصل إنما هو هاهنا مضاف إليه لتعريف ذريته أنهم أولاده ، وفي الحديث : أنه « مسح ظهر آدم » ، فلا يمكن رد ما جاء في القرآن وما جاء في الحديث إلى الاتفاق إلا بالتأويل الذي ذكرناه . قال الجرجاني : وأنا أقول : ونحن [ نذهب ] « 2 » إلى ما روي في الآية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وما ذهب إليه أهل العلم من السلف الصالح أمثل ، وله أقبل وبه آنس ، واللّه ولي التوفيق لما هو أولى وأهدى . على أن بعض أصحابنا من أهل السنّة قد ذكر في الرد على هذا القائل معنى يحتمل ويسوغ في النظم الجاري ومجاز العربية بسهولة ، وإمكان من غير تعسف ولا استكراه ، وهو أن يكون قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مبتدأ خبر من اللّه عز وجل عما كان منه في أخذ العهد عليهم ، وإذ تقتضي جوابا يجعل جوابه قوله تعالى : قالُوا بَلى وانقطع هذا الخبر بتمام قصته ، ثم ابتدأ عز وجل خبرا آخر يذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة ، فقالوا : شهدنا ، يعني نشهد ، كما قال الحطيئة : شهد الحطيئة حين يلقى ربه * أن الوليد أحق بالعذر

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 172 . ( 2 ) ساقطة في المطبوع .