ابن قيم الجوزية
237
الروح
بعد موقع الواقع لسبق علمه بوقوعه ، كما قال عز وجل في موضع من القرآن كقوله تعالى : وَنادى أَصْحابُ النَّارِ وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ « 1 » وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ « 2 » وقال : فيكون تأويل قوله وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ وإذ يأخذ ربك ، وكذلك قوله وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أي ويشهدهم بما ركبه فيهم من العقل الذي يكون به الفهم ويجب به الثواب والعقاب ، وكل من ولد بلغ الحنث وعقل الضر والنفع ، وفهم الوعد والوعيد والثواب والعقاب ، صار كأن اللّه تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركب فيه من العقل وأراه من الآيات والدلائل على حدوثه ، وأنه لا يجوز أن يكون قد خلق نفسه ، وإذا لم يجز ذلك فلا بد له من خالق هو غيره ليس كمثله ، وليس من مخلوق يبلغ هذا المبلغ ولم يقدح فيه مانع من فهم إلا إذا مرّ به أمر يفزع إلى اللّه عز وجل حين يرفع رأسه إلى السماء ويشير إليها بإصبعه علما منه بأن خالقه تعالى فوقه . وإذا كان العقل الذي منه الفهم والإفهام مؤديا إلى معرفة ما ذكرنا ودالا عليه ، فكل من بلغ هذا المبلغ فقد أخذ عليه العهد والميثاق ، وجائز أن يقال : أقر وأذعن وأسلم ، كما قال اللّه عز وجل وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً « 3 » . قال : واحتجوا بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن النائم حتى ينتبه » ، وقوله عز وجل إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها ثم قال تعالى وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ « 4 » . فالأمانة هاهنا عهد وميثاق ، فامتناع السماوات والأرض والجبال من حمل الأمانة لأجل خلوها من العقل الذي
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 50 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية 48 . ( 3 ) سورة الرعد ، الآية 15 . ( 4 ) أخرجه النسائي في باب من لا يقع طلاقه من الأزواج ( 6 / 156 ) بلفظ : « رفع القلم عن ثلاث : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصغير حتى يكبر ، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق » وأخرجه ابن ماجة بهذا اللفظ في كتاب الطلاق باب طلاق المعتوه والصغير والنائم ( 1 / 658 ) رقم 2041 . وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا ( 4 / 558 ) برقم 4398 وبلفظ : رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن المبتلي حتى يبرأ ، وعن الصبي حتى يكبر . ومعنى رفع القلم في الحديث عدم كتابة الآثام عليهم في هذه الأحوال الثلاثة .