ابن قيم الجوزية

238

الروح

يكون به الفهم والإفهام ، وحمل الإنسان إياها لمكان العقل فيه ، قال : وللعرب فيها ضروب نظم ، فمنها قوله : ضمن القنان لفقعس بثباتها * إن القنان لفقعس لا يأتلى والقنان جبل « 1 » ، فذكر أنه قد ضمن لفقعس ، وضمانه له أنهم كانوا إذا [ حل ] « 2 » بهم أمر من هزيمة أو خوف لجئوا إليه ، فجعل ذلك كالضمان لهم ، منه قول النابغة : كأجارف الجولان « 3 » هلل ربه * وحوارن « 4 » منها خاشع متضائل وأجارف الجولان جبالها وحوران الأرض التي إلى جانبها ، وقال هذا القائل : إن في قوله تعالى : أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ « 5 » دليلا على هذا التأويل ، لأنه عز وجل أعلم أن هذا الأخذ للعهد عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين . والغفلة هاهنا لا تخلوا من أحد وجهين : إما أن تكون عن يوم القيامة أو عن أخذ الميثاق ، فأما يوم القيامة فلم يذكر سبحانه في كتابه أنه أخذ عليهم عهدا وميثاقا بمعرفة البعث والحساب ، وإنما ذكر معرفته فقط ، وأما أخذ الميثاق الأطفال والإسقاط ، إن كان هذا العهد مأخوذا عليهم كما قال المخالف فهم لم يبلغوا بعد أخذ هذا الميثاق عليهم مبلغا يكون منهم غفلة عنه فيجحدونه وينكرونه ، فمتى تكون هذه الغفلة منهم وهو عز وجل لا يؤاخذهم بما لم يكن منهم ، وذكر ما لا يجوز ولا يكون محال . وقوله تعالى أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ « 6 » فلا يخلو هذا الشرك الذي يؤاخذون به أن يكون منهم أنفسهم أو من آبائهم ، فإن كان منهم فلا يجوز أن يكون ذلك إلا بعد البلوغ وثبوت الجحد عليهم ، إذ الطفل لا يكون منه شرك ولا غيره ، وإن كان من غيرهم فالأمة مجمعة على أن لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى « 7 » كما قال عز وجل في الكتاب وليس هذا

--> ( 1 ) قيل هو جبل لبني أسد ، وقيل أنه جبل بأعلى نجد . ( 2 ) وردت في المطبوع : حاز . ( 3 ) جبل بالشام . ( 4 ) موضع بالشام . ( 5 ) سورة الأعراف ، الآية 173 . ( 6 ) سورة الأعراف ، الآية 173 . ( 7 ) سورة فاطر ، الآية 18 .