ابن قيم الجوزية

236

الروح

منفوس ممن يبلغ وممن لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم ، وزاد على من بلغ منهم الحجة بالآيات والدلائل التي نصبها في نفسه وفي العالم ، وبالرسل المنفذة إليهم مبشرين ومنذرين ، وبالمواعظ بالمثلات المنقولة إليهم أخبارها ، غير أنه عز وجل لا يطالب أحدا منهم من الطاعة إلا بقدر ما لزمه من الحجة وركب فيهم من القدرة وآتاهم من الأدلة . وبين سبحانه ما هو عامل في البالغين الذين أدركوا الأمر والنهي ، وحجب عنا علم ما قدره في غير البالغين ، إلا أنا نعلم أنه عدل لا يجوز في حكمه ، وحكيم لا تفاوت في صنعه ، وقادر لا يسأل عما يفعل ، له الخلق والأمر ، تبارك اللّه رب العالمين . فصل [ معنى الآية : وإذا أخذ ربك . . . ] ونازع هؤلاء غيرهم في معنى الآية ، وقالوا : معنى قوله وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ « 1 » أي أخرجهم وأنشأهم بعد أن كانوا نطفا في أصلاب الآباء إلى الدنيا على ترتيبهم في الوجود ، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم بما أظهر لهم آياته وبراهينه التي تضطرهم إلى أن يعلموا أنه خالقهم ، فليس من أحد إلا وفيه من صنعة ربه ما يشهد على أنه بارئه ونافذ الحكم فيه . فلما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته ، كما قال في غير هذا الموضع شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ « 2 » يزيدهم بمنزلة الشاهدين ، وإن لم يقولوا نحن كفرة ، وكما تقول : قد شهدت جوارحي بقولك تريد قد عرفته ، فكأن جوارحي لو استشهدت وفي وسعها أن تنطق لشهدت ، ومن هذا أعلامه وتبينه أيضا شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ « 3 » يريد أعلم وبين ، فأشبه ذلك شهادة من شهد عن الحكام وغيرهم . هذا كلام ابن الأنباري . وزاد الجرجاني بيانا لهذا القول فقال حاكيا عن أصحابه : إن اللّه لما خلق الخلق ونفذ علمه فيهم بما هو كائن وما لم يكن بعد مما هو كائن ، كالكائن إذ علمه بكونه مانع من غير كونه شائع في مجاز العربية أن يوضع ما هو منتظر بعد مما يقع

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 173 . ( 2 ) سورة التوبة ، الآية 27 . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية 18 .