ابن قيم الجوزية
235
الروح
وأما المقام الثاني فإنما أخذ من أخذه من المفسرين من الآية ، وظنوا أنه تفسيرها ، وهذا قول جمهور المفسرين من أهل الأثر ، وقال أبو إسحاق : جائز أن يكون اللّه سبحانه جعل لأمثال الذر التي أخرجها فهما تعقل به كما قال قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ « 1 » . وقد سخر مع داود الجبال تسبح معه والطير . وقال ابن الأنباري : مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن اللّه أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده وهم في صور الذر ، فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون ، فاعترفوا بذلك وقبلوا ، وذلك بعد أن ركب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم ، كما جعل للجبل عقلا حين خوطب ، وكما فعل ذلك بالبعير لما سجد ، والنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت . وقال الجرجاني : ليس بين قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن اللّه مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته » وبين الآية اختلاف بحمد اللّه ؛ لأنه عز وجل إذا أخذهم من ظهر آدم فقد أخذهم من ظهور ذريته ، لأن ذرية آدم لذريته ، بعضهم من بعض وقوله تعالى : أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أي عن الميثاق المأخوذ عليهم ، فإذا قالوا ذلك كانت الملائكة شهودا عليهم بأخذ الميثاق . قال : وفي هذا دليل على التفسير الذي جاءت به الرواية من أن اللّه تعالى قال للملائكة : اشهدوا ، فقالوا : شهدنا . قال : وزعم بعض أهل العلم أن الميثاق إنما أخذ على الأرواح دون الأجساد ، لأن الأرواح هي التي تعقل وتفهم ، ولها الثواب وعليها العقاب ، والأجساد أموات لا تعقل ولا تفهم ، قال : وكان إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى ، وذكر أنه قول أبي هريرة ، قال إسحاق : وأجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد استنطقهم وأشهدهم ، قال الجرجاني : واحتجوا بقوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ « 2 » والأجساد قد بليت [ واضمحلت ] « 3 » في الأرض والأرواح ترزق وتفرح ، وهي التي تلد وتألم وتفرح وتحزن وتعرف وتنكر ، وبيان ذلك في الأحلام موجود ، وأن الإنسان يصبح وأثر لذة الفرح وألم الحزن باق في نفسه مما تلاقي الروح دون الجسد ، قال : وحاصل الفائدة في هذا الفصل أنه سبحانه قد أثبت الحجة على كل
--> ( 1 ) سورة النحل ، الآية 18 . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية 169 . ( 3 ) وردت في المطبوع : وصلت .