ابن قيم الجوزية

212

الروح

قول اللّه تعالى لكِنْ وقوله وَرُوحٌ مِنْهُ يقول : من أمره كان الروح فيه ، كقوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ « 1 » يقول من أمره وتفسير روح اللّه إنما معناها بكلمة اللّه خلقا ، كما يقال : عبد اللّه وسماء اللّه وأرض اللّه ، فقد صرح بأن روح المسيح مخلوقة ، فكيف بسائر الأرواح ، وقد أضاف اللّه إليه الروح الذي أرسله إلى مريم ، وهو عبده ورسوله ، ولم يدل على ذلك أنه قديم مخلوق ، فقال تعالى : فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا . قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا . قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا « 2 » فهذا الروح ، هو روح اللّه وهو عبده ورسوله . وسنذكر إن شاء اللّه تعالى أقسام المضاف إلى اللّه وأين يكون المضاف صفة له قديمة وأين يكون مخلوقا وما ضابط ذلك . فصل [ الأدلة على خلق الروح ] والذي يدل على خلقها وجوه : الوجه الأول : قول اللّه تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ « 3 » فهذا اللفظ عام ولا تخصيص فيه بوجه ما ولا يد في ذلك صفاته فإنها داخلة في مسمى باسمه ، فاللّه سبحانه هو الإله الموصوف صفات الكمال ، فعلمه وقدرته وحياته وإرادته وسمعه وبصره وسائر صفاته داخل في مسمى اسمه ، وليس داخلا في الأشياء المخلوقة ، كما لم تدخل ذاته فيها ، فهو سبحانه بذاته وصفاته الخالق وما سواه مخلوق . ومعلوم قطعا أن الروح ليست هي اللّه ، ولا صفة من صفاته ، وإنما هي مصنوع من مصنوعاته ، فوقوع الخلق عليها كوقوعه على الملائكة والجن والإنس . الوجه الثاني : قوله تعالى لزكريا : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً « 4 » وهذا الخطاب لروحه وبدنه ليس لبدنه فقط فإن البدن وحده لا يفهم ولا يخاطب ولا يعقل ، وإنما الذي يفهم ويعقل ويخاطب هو الروح .

--> ( 1 ) سورة الجاثية ، الآية 13 . ( 2 ) سورة مريم ، الآية 17 - 19 . ( 3 ) سورة الرعد ، الآية 16 وسورة الزمر ، الآية 62 . ( 4 ) سورة مريم ، الآية 9 .