ابن قيم الجوزية
211
الروح
والاختلاف ، وكذلك أبو محمد بن قتيبة قال في ( كتاب اللفظ ) : لما تكلم على الروح قال النسم الأرواح . قال وأجمع الناس على أن اللّه تعالى هو خالق الحبة وبارئ النسمة أي خالق الروح . وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة : سألت رحمك اللّه عن الروح مخلوقة هي أو غير مخلوقة ؟ قال : وهذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب أو الروح من الأشياء المخلوقة ، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة ، وصنف الحافظ أبو عبد اللّه بن منده في ذلك كتابا كبيرا ، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره والشيخ أبو سعيد الخراز وأبو يعقوب النهر جوري والقاضي أبو يعلى . وقد نص على ذلك الأئمة الكبار واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في روح عيسى ابن مريم ، فكيف بروح غيره ، كما ذكره الإمام أحمد فيما كتبه في مجلسه في الرد على الزنادقة والجهمية : ثم إن الجهمي ادعى أمرا فقال : أنا أجد آية في كتاب اللّه مما يدل على أن القرآن مخلوق قول اللّه تعالى : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ « 1 » وعيسى مخلوق ، قلنا له : إن اللّه تعالى منعك الفهم للقرآن ، إن عيسى تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن ، لأنا نسميه مولودا وطفلا وصبيا وغلاما يأكل ويشرب ، وهو مخاطب بالأمر والنهي ، يجري عليه الخطاب والوعد والوعيد ، ثم هو من ذرية نوح ، ومن ذرية إبراهيم ، فلا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى ، فهل سمعتم اللّه يقول في القرآن ما قال في عيسى ؟ ولكن المعنى في قوله تعالى : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له كن ، فكان عيسى بكن ، وليس عيسى هو كن . ولكن كان يكن فكن من اللّه قول وليس كن مخلوقا ، وكذبت النصارى والجهمية على اللّه في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالوا : روح اللّه وكلمته إلا أن كلمته مخلوقة . وقالت النصارى : عيسى روح اللّه وكلمته من ذاته ، كما يقال : هذه الخرقة من هذا الثوب ، قلنا نحن : إن عيسى بالكلمة كان ، وليس عيسى هو الكلمة ، وإنما
--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية 171 .