ابن قيم الجوزية
208
الروح
والقائل أن أحدا من السلف لم يفعل ذلك قائل ما لا علم له به ، فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه ، فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه ، بل يكفي اطلاع علّام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ بنيّة الإهداء لا يشترط كما تقدم . وسر المسألة أن الثواب ملك للعامل ، فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله اللّه إليه ، فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن ، وحجر على العبد أن يوصله إلى أخيه ، وهذا عمل سائر الناس حتى المنكر في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء . فإن قيل : فما تقولون في الإهداء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ؟ قيل : من الفقهاء المتأخرين من استحبه ومنهم لم يستحبه ورآه بدعة ، فإن الصحابة لم يكونوا يفعلونه ، وأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم له أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شيء ، لأنه هو الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إليه ، ومن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، وكل هدى وعلم فإنما نالته أمته على يده فله مثل أجر من اتبعه أهداه إليه أو لم يهده . واللّه أعلم . المسألة السابعة عشرة [ هل الروح قديمة أم محدثة مخلوقة ] وهي هل الروح قديمة أو محدثة مخلوقة ، وإذا كانت محدثة مخلوقة وهي من أمر اللّه فكيف يكون أمر اللّه محدثا مخلوقا ؟ وقد أخبر سبحانه أنه نفخ في آدم من روحه فهذه الإضافة إليه هل تدل على أنها قديمة أم لا ؟ وما حقيقة هذه الإضافة ؟ فقد أخبر عن آدم أنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه فأضاف اليد والروح إليه إضافة واحدة . فهذه مسألة زل فيها عالم ، وضلت فيها طوائف من بني آدم . وهدى اللّه أتباع رسوله فيها للحق المبين والصواب المستبين ، فأجمعت الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة . هذا معلوم بالاضطرار من دين الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم ، كما يعلم بالاضطرار من دينهم أن العالم