ابن قيم الجوزية

209

الروح

حادث ، وأن معاد الأبدان واقع ، وأن اللّه وحده الخالق ، وكل ما سواه مخلوق له ، وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم وهم القرون الفضيلة على ذلك من غير اختلاف بينهم في حدوثها وأنها مخلوقة ، حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنّة فزعم أنها قديمة غير مخلوقة ، واحتج بأنها من أمر اللّه ، وأمره غير مخلوق ، وبأن اللّه تعالى أضافها إليه كما أضاف إليه علمه وكتابه وقدرته وسمعه وبصره ويده ، وتوقف آخرون فقالوا : لا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة . وسئل عن ذلك حافظ أصبهان : أبو عبد اللّه بن منده فقال : أما بعد فإن سائلا سألني عن الروح التي جعلها اللّه سبحانه قوام نفس الخلق وأبدانهم وذكر أقواما تكلموا في الروح وزعموا أنها غير مخلوقة وخص بعضهم منها أرواح القدس وأنها من ذات اللّه ، قال وأنا أذكر اختلاف أقاويل متقدميهم وأبين ما يخالف أقاويلهم من الكتاب والأثر وأوضح خطأ المتكلم في الروح بغير علم وأن كلامهم يوافق قول جهم وأصحابه . فنقول وباللّه التوفيق وإن الناس اختلفوا في معرفة الأرواح ومحلها من النفس . 1 - فقال بعضهم : الأرواح كلها مخلوقة ، وهذا مذهب أهل الجماعة والأثر . واحتجوا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » . والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة . 2 - وقال بعضهم : الأرواح من أمر اللّه ، أخفى اللّه حقيقتها وعلمها عن الخلق واحتجوا بقول اللّه تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « 1 » . 3 - وقال بعضهم : الأرواح نور من نور اللّه تعالى وحياة من حياته واحتجوا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن اللّه خلق خلقه في ظلمة ، فألقى عليهم من نوره » « 2 » ، ثم ذكر الخلاف في الأرواح هل تموت أم لا ؟ وهل تعذب مع الأجساد في البرزخ وفي مستقرها بعد الموت ؟ وهل هي النفس أو غيرها .

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية 85 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان باب ما جاء في افتراق هذه الأمة ( 5 / 26 ) برقم 2642 وتمامه : « فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضل ، فلذلك أقول : جف القلم على علم اللّه » قال الترمذي : حديث حسن .