ابن قيم الجوزية

198

الروح

وأما ثالثا : فإن اللّه سبحانه جعل الإسلام سببا لنفع المسلمين بعضهم بعضا في الحياة وبعد الموت ، فإذا لم يأت بسبب انتفاعه بعمل المسلمين لم يحصل له ذلك النفع ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو : « إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك » . وهذا كما جعل سبحانه الإسلام سببا لانتفاع العبد مما عمل من خير . فإذا فاته هذا السبب لم ينفعه خير عمله ولم يقبل منه ، كما جعل الإخلاص والمتابعة سببا لقبول الأعمال ، فإذا فقد لم تقبل الأعمال ، وكما جعل سائر شروط الصلاة سببا لصحتها ، فإذا فقدت فقدت الصحة ، وهذا شأن سائر الأسباب مع مسبباتها الشرعية والعقلية والحسية ، فمن سوى بين [ محالين ] « 1 » وجود السبب وعدمه فهو مبطل . ونظير هذا الهوس أن يقال : لو قبلت الشفاعة في العصاة لقبلت في المشركين . ولو خرج أهل الكبائر من الموحدين من النار لخرج الكفار منها ، وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي من نجاسات معد أصحابها ورجيع أفواههم . وبالجملة : فالأولى بأهل العلم الإعراض عن الاشتغال بدفع هذه الهذيانات لولا أنهم قد سودوا بهما صحف الأعمال والصحف التي بين الناس . فصل [ الرد على القول بأن العبادات نوعان ] وأما قولكم العبادات نوعان : نوع تدخله النيابة فيصل ثواب إهدائه إلى الميت ، ونوع لا تدخله فلا يصل ثوابه . فهذا هو نفس المذهب والدعوى ، فكيف تحتجون به ، ومن أين لكم هذا الفرق ؟ فأي كتاب أم أي سنة ، أم أي اعتبار دل عليه حتى يجب المصير إليه . وقد شرع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الصوم عن الميت مع أن الصوم لا تدخله النيابة وشرع للأمة أن ينوب بعضهم عن بعض في أداء فرض الكفاية ، فإذا فعله واحد تاب عن الباقين في فعله وسقط عنهم المأثم ، وشرع لقيم الطفل الذي

--> ( 1 ) وردت في المطبوع : حالين .