ابن قيم الجوزية
194
الروح
وأيضا فإنه يقضي إلى اتكال بعض الأحياء على بعض ، وهذه مفسدة كبيرة ، فإن أرباب الأموال إذا فهموا ذلك واستشعروه استأجروا من يفعل ذلك عنهم ، فتصير الطاعات معاوضات ، وذلك يفضي إلى إسقاط العبادات والنوافل ، ويصير ما يتقربه به إلى اللّه يتقرب به إلى الآدميين ، فيخرج عن الإخلاص ، فلا يحصل الثواب لواحد منهما . ونحن نمنع من أخذ الأجرة عن كل قربة ، ونحبط بأخذ الأجر عليها كالقضاء ، والفتيا ، وتعليم العلم ، والصلاة ، وقراءة القرآن وغيرها ، فلا يثبت اللّه عليها إلا المخلص الذي أخلص العمل لوجهه ، فإذا فعله للأجرة لم يثب عليه الفاعل ولا المستأجر ، فلا يليق بمحاسن الشرع أن تجعل العبادات الخالصة له معاملات يقصد بها المعاوضات والأكساب والدنيوية . وفارق قضاء الديون وضمانها فإنها حقوق الآدميين ينوب بعضهم فيها عن بعض ، فلذلك جازت في الحياة وبعد الموت . فصل [ هل يسوغ اهداء نصف الثواب أو ربعه ] وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت فالواجب من وجهين : أحدهما : منع الملازمة فإنكم لم تذكروا عليها دليلا إلا مجرد الدعوى . الثاني : التزام ذلك والقول به نص عليه للإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال ، ووجه هذا أن الثواب ملك له ، فله أن يهديه جميعه ، وله أن يهدي بعضه . ويوضحه أنه لو أهداه إلى أربعة مثلا يحصل لكل منهم ربعه ، فإذا أهدى الربع وأبقى لنفسه الباقي جاز كما لو أهداه إلى غيره . فصل وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه وقد قلتم أنه لا بد أن ينوي حال الفعل إهداؤه إلى الميت وإلا لم يصل . فالجواب : إن هذه المسألة غير منصوصة عن أحمد ولا هذا الشرط في كلام المتقدمين من أصحابه وإنما ذكره المتأخرون كالقاضي وأتباعه . قال ابن عقيل : إذا فعل طاعة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وأهداها بأن