ابن قيم الجوزية
193
الروح
على عمل يفعله إلى غيره ، وبعد الموت قد جعل لنا طريقا إلى إيصال النفع كالاستغفار والصلاة على الميت . ثم أورد على نفسه سؤالا وهو فإن قيل : أليس قضاء الدين وتحمل الكل حال الحياة كقضائه بعد الموت فقد استوى ضمان الحياة وضمان الموت في أنهما يزيلان المطالبة عنه ، فإذا وصل قضاء الديون بعد الموت وحال الحياة فاجعلوا ثواب الإهداء واصلا حال الحياة بعد الموت . وأجاب عنه بأنه : لو صح هذا وجب أن تكون الذنوب تكفر عن الحي بتوبة غيره عنه ويندفع عنه مآثم الآخرة بعمل غيره واستغفاره . قلت : وهذا لا يلزم بل طرد لك انتفاع الحي بدعاء غيره له ، واستغفاره له ، وتصدقه عنه ، وقضاء ديونه ، وهذا حق ، وقد أذن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في أداء فريضة الحج عن الحي المعضوب والعاجز وهما حيان . وقد أجاب غيره من الأصحاب بأن حال الحياة لا نثق بسلامة العاقبة خوفا أن يرتد المهدى له فلا ينتفع بما يهدى إليه . قال ابن عقيل : وهذا عذر باطل بإهداء الحي فإنه لا يؤمن أن يرتد ويموت فيحبط عمله كله ومن جملته ثواب ما أهدي إلى الميت . قلت : هذا لا يلزمهم ، وموارد النص والإجماع تبطله وترده ، فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أذن في الحج والصوم عن الميت ، وأجمع الناس على براءة ذمته من الدين إذا قضاه عنه الحي مع وجود ما ذكر من الاحتمال . والجواب أن يقال : ما أهداه من أعمال البر إلى الميت فقد صار ملكا له ، فلا يبطل بردة فاعله بعد خروجه عن ملكه ، كالتصرفات التي تصرفها قبل الردة من عتق وكفارة ، بل لو حج عن معضوب ثم ارتد بعد ذلك لم يلزم المعضوب أن يقيم غيره بحج ، فإنه لا يؤمن في الثاني والثالث ذلك . على أن الفرق بين الحي والميت أن الحي ليس بمحتاج كحاجة الميت إذ يمكنه إن يباشر ذلك العمل أو نظيره ، فعليه اكتساب الثواب بنفسه وسعيه بخلاف الميت .