ابن قيم الجوزية
192
الروح
ثوابها فإن العامل يحرص عليها لأجل ثوابها لينتفع به أو ينفع به أخاه المسلم فبينهما فرق ظاهر . الجواب الثالث : إن اللّه سبحانه يحب المبادرة والمسارعة إلى خدمته والتنافس فيها ، فإن ذلك أبلغ في العبودية ، فإن الملوك تحب المسارعة والمنافسة في طاعتها وخدمتها ، فالإيثار بذلك مناف لمقصود العبودية ، فإن اللّه سبحانه أمر عبده بهذه القربة إما إيجابا وإما استحبابا ، فإذا آثر بها ترك ما أمره وولاه غيره ، بخلاف ما إذا فعل ما أمر به طاعة وقربة ثم أرسل ثوابه إلى أخيه المسلم وقد قال تعالى : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ « 1 » وقال : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ « 2 » ومعلوم أن الإيثار بها ينافي الاستباق إليها والمسارعة . وقد كان الصحابة يسابق بعضهم بعضا بالقرب ، ولا يؤثر الرجل منهم غيره بها ، قال عمر : واللّه ما سابقني أبو بكر إلى خير إلا سبقني إليه - حتى قال : واللّه لا أسابقك إلى خير أبدا . وقد قال تعالى : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ « 3 » يقال : نافست في الشيء منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه على وجه المباراة ، ومن هذا قولهم شيء نفيس أي : هو أهل أن ينافس فيه ويرغب فيه ، وهذا أنفس ما لي أي أحبه إلي ، وأنفسني فلان في كذا ، أي أرغبني فيه ، وهذا كله ضد الإيثار به والرغبة عنه . فصل [ الرد على أنه لو ساغ الإهداء للميت لجاز للحي ] وأما قولكم لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي فجوابه من وجهين ! أحدهما : أنه قد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم ، قال القاضي : وكلام أحمد لا يقتضي التخصيص بالميت ، فإنه قال يفعل الخير ويجعل نصفه لأبيه وأمه لم يفرق . واعترض عليه أبو الوفاء بن عقيل وقال : هذا فيه بعد ، وهو تلاعب بالشرع ، وتصرف في أمانة اللّه ، وإسجال على اللّه سبحانه بثواب
--> ( 1 ) سورة الحديد ، الآية 21 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية 148 . ( 3 ) سورة المطففين ، الآية 26 .